خطة حجر غزّة ....وتخبّط السلطة الفلسطينية

                                                                   بقلم : محمود جديد

 


   اعتمد شارون نهجا سياسيا يقوم على ثبات خطته المرسومة ، وإيجاد وقائع سياسية وميدانية متلاحقة ، لخلق ستارة دخانية لتضليل العالم عن خطواته العملية لتنفيذ تلك الخطة ، وتدويخ وتمزيق الفلسطينيين بالدوران واللهث وراء مستجداته ، وتكتيكاته ..ففي عام 1996 عرض على /أبو مازن وأبو علاء / خريطة رسم عليها خطته لحلّ الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي ترتكز على إقامة دولة فلسطينية على 42 % من مساحة الضفة الغربية بالمواصفات المعروفة ، وما زال حتى الآن متمسكا بهذه الخطة ، وبناء على ذلك تنصّل شارون من مؤتمر مدريد ، وطرح فكرة عقد مؤتمر دولي جديد ، ثم تراجع عنها بعد أن حقّق هدفه ، ثم طرح موضوع /  الإصلاح الفلسطيني / بهدف زرع الفتنة داخل الصف الفلسطيني ، وكسب المزيد من الوقت ، وعندما  ولدت / خارطة الطريق / أسرع في المناورة والالتفاف عليها ( بالرغم من سوئها ) بشروطه الأربعة عشر لتتكيّف ، وتتماهى مع خطته الأصلية التي جسّد بنودها على الأرض ضمّا وتجريفا ، وقتلا وتدميرا ...وبناء جدار الفصل العنصري ...الخ ، وكانت /خطة الفصل / الذي طرحها للانسحاب من قطاع غزّة وبعض المناطق الصغيرة من شمال الضفة الغربية ، والتعديلات المتلاحقة التي أدخلها عليها آخر خرجاته وألاعيبه ....وهنا  سنحاول إلقاء بعض الأضواء على آخر نسخة منها

أ : حول : الخلفية ، المعاني السياسية:

لقد لجأ / شارون / إلى التضليل السياسي لتزيين الخطة حيث يذكر في بندها الأول : " بأنّ إسرائبل ملتزمة بالعملية السلمية ، وتتطلع للتوصّل إلى تسوية متفق عليها على أساس رؤية الرئيس الأمريكي جورج بوش ." فهو يريد أن يطمئن ويضلّل العالم بأنه ما زال ملتزما " بالعملية السلمية " ويبرّر ولادة خطته ، وتنفيذها من جانب واحد ، وإيهام الرئيس الأمريكي بأنّه لايخرج عن الإطا رالذي حدّده في خطابه المعروف في  حزيران /جوان/ عام 2002 ... كما يشير إلى أنّ " دولة اسرائيل قد توصّلت إلى استنتاج بعدم وجود شريك فلسطيني اليوم يمكن التقدّم معه في عملية سلمية ثنائة ، وفي ضوء ذلك تبلورت خطة الفصل التدريجية التي تستند إلى الاعتبارات التالية : أولها : إنّ الجمود الكامن في الوضع الراهن ضار ، وبغية الخروج من هذا الجمود ينبغي لاسرائيل أن تبادر بخطوة لاتكون مشروطة بالتعاون الفلسطيني ."

  وهنا يحاول تبرير انفراده بوضع الخطة والسعي لتنفيذها من جانب واحد ، وهذا دليل قاطع على أنّ شارون غير جاد في تقديم أيّ شيء سياسي ملموس للفلسطينيين مهما كان تافهاً ، وبمعنى آخر لو كان / شارون/ يريد حلاّ سياسيا يقدّم فه للفلسطينيين جزءا يسيرا من حقوقهم المشروعة والمعترف بها دوليا ، لتوجّه الى السلطة الفلسطينية ، لأنّ الرئيس الفلسطيني أكفأ من يقود شعبه نحو التحرير وفي الوقت نفسه هو الأقدر على قيادة شعبه نحو التنازلات ، وخاصّة أنّه من أصحاب السوابق المتكرّرة في التوقيع على الاتفاقيات المشؤومة التي بدّدت وأهدرت الكثير من الحقوق الفلسطينية . ... ولكنّ شارون يسير بخطا ثابتة على طريق تنفيذ خطته القديمة الأساسية المعلنة ( دويلة فلسطينية ممسوخة على قطاع غزة  ، وعلى 42بالمائة من الضفة الغربية ) مع  إبقاء الكتل الاستيطانية الرئيسية ، والسيطرة الكاملة على القدس الشرقية ، وبشكل أحادي الجانب ، أي فرضها بالقوّة على الفلسطينيين .

  - والاعتبار الثاني جاء في الفقرة : ب من البند الأول حيث  حدّد شارون أهداف خطته يقوله : " تهدف الخطة إلى خلق وضع أمني ، سياسي ، اقتصادي ، وديمغرافي أفضل ."

    وهنا وبعد تفحّص عميق لمضامين هذه الأهداف ، لايستطيع أي محلّل أو مراقب سياسي عاقل إلاّ أن يتوصّل إلى قناعة بأنّ هذه الأهداف مرسومة للاسرائيليين وحدهم ، ولا يمكن أن تشمل الفلسطينيين ، وبالتالي يريد / شارون /  تحقيق أوضاع جديدة أفضل للكيان الصهيوني  من خلال تطبيق خطة حجره الجديدة ، بحيث تضمن أمنه لفترة زمنية تصل إلى ثلاثين عاما كما صرّح به  لوسائل الإعلام الاسرائبلية ولأعضاء حكومته  ....

-  والاعتبار الثالث جاء في الفقرة ج من البند نفسه ، والذي يحدّد فيه نواياه الحقيقية تجاه الاستيطان داخل قطاع غزّة والضفّة الغربية فيقول : " في كل تسوية دائمة مستقبلية لن يبقى استيطان يهودي في قطاع غزة ، وبالمقابل من الواضح أنّه ستبقى في مناطق يهودا والسامرة مساحات ستبقى جزءا من دولة اسرائيل ،بما في ذلك الكتل المركزية للاستيطان اليهودي ، والمستوطنات المدنية ومناطق أمنية ، وأماكن لدولة إسرائيل مصالح أخرى فيها ."

  فإذا كان /شارون/ يريد فعلا إنهاء الاستيطان من غزة فهذا يعني انسجاما ما ورد في هذه الفقرة أنّ خطة فصله هي بحدّ ذاتها التسوية الدائمة التي يبتغيها ، والتي سيبقى بموجبها الأغلبية الساحقة من مستوطناته في الضفة كما ورد ذكرها ... وهذا يتطابق مع خطته الأساسية القديمة المعلنة ...

-     ب – مبادئ الخطة : جاء في الفقرة الأولى منها : " ستخلي دولة إسرائيل قطاع غزة بما في ذلك المستوطنات الاسرائيلية القائمة حالياً، وتعيد الانتشار خارج أراضي القطاع ، وذلك عدا الانتشار العسكري في منطقة خط الحدود بن قطاع غزة ومصر (محور فيلادلفيا) /إذا لم يكتمل الدور المصري / .. ومع إكمال الخطوة لن يبقى في المناطق البرية لقطاع غزة أي تواجد إسرائيلي ثابت لقوات الأمن الإسرائيلية ، وبالتالي لن يبقى أساس للزعم بأنّ قطاع غزة هي أرض محتلة ."

                                           وإذا أضفنا ما ورد في البند ج ( الواقع الأمني بعد الإخلاء ) ، والذي ينصّ على : " ستراقب إسرائيل وتحمي الغلاف البري الخارجي ، وستسيطر بشكل حصري على المجال الجوي في غزة ، وسنواصل القيام بنشاطات عسكرية في المجال البحري للقطاع . "  فسيكون بذلك كله قطاع غزة عبارة عن منطقة محجورة ومغلقة تحت الرقابة الاسرائيلية برّا وبحرا وجواً ، وداخل القطاع نفسه عن طريق الدوريات والعملاء ، أي يتحوّل القطاع إلى سجن كبير مفاتيحه بيد القوات الاسرائيلية .... بينما يحاول الإرهابي /شارون/ قسر مضامين خطته ، وتطويعها ، ليقول كذباً : بأنّ قطاع غزة سيصبح أرضاً غير محتلة ، وهذا يعني ويستهدف ضمناً أنّه سيكون صالحاً لقيام الدويلة الفلسطينية التي كثر الحديث عنها لامتصاص وتخدير الجماهير الفلسطينية عن حقيقة الأمور .....

  - ج -  وتسهيلاً للقبول الفلسطيني والعربي والدولي لخطة /شارون/ أراد أن تتعدّى خطته قطاع غزة إلى الضفة الغربية ، والتخلّي عن أربع مستوطنات في شمال الضفة لتأمين التواصل الجغرافي ، وهذا ما نصّ عليه البند ج من الخطة : " ستُخلى المستوطنات في شمال السامرة ، لن يبقى وجود عسكري ثابت في هذه المنطقة . .. وتحتفظ إسرائيل لنفسها بالحق الأساسي في الدفاع عن النفس ، بما في ذلك اتخاذ خطوات احترازية ، وكذلك الرد عبر استخدام القوة ضد مخاطر تنشأ في هذه المنطقة .... وفي باقي  مناطق يهودا والسامرة يستمر النشاط الأمني بصورته القائمة ..."

 وهنا أيضاً بعيد شارون انتشار قواته داخل الضفة لتمتين السيطرة عليها ، والمحافظة على كتله الاستيطانية ، مع بقاء دورياته ، وحرية اتخاذ القرارات للتدخل في المناطق التي انسحب منها وفقاً للحاجة التي يقدّرها ...

  -  د – يحدّد الفترة الزمنية لاستكمال تنفيذ خطته بنهاية عام / 2005 / وهو التاريخ نفسه لقيام " الدولة الفلسطينية " المنصوص عنها في / خارطة الطريق / ، كما فسّر ووضّح فيما بعد نتيجة انعكاس هذه الخطة على الواقع الداخلي الاسرائيلي ، وخاصة على الحكومة الاسرائيلية بأنّ المرحلة الأولى من تنفيذ الخطة سيكون في شهر آذار/مارس / 2005 ... وحتى هذا الوقت مطلوب من الفلسطينيين تنفيذ إجراءات أمنية واسعة في غزة تشمل إيقاف الإنتفاضة ، ونزع أسلحة المقاتلين الفلسطينيين ، وربّما اعتقال أعداد منهم ، وهذا يعني تحطيم كل مقوّمات وأدوات النضال الفلسطيني ، وجعل السلطة الفلسطينية  عارية مكشوفة أمام شارون ومستسلمة لإرادته ووعوده المخادعة المؤجّلة ...

وعلى كلّ حال فإنّ الدوافع الحقيقة لشارون للانسحاب من غزة / إذا تمّ / هي : 

1 –  فشله في قهر إرادة الشعب الفلسطيني العظيم نتيجة صموده الاسطوري ،  وتضحيات المقاومة الفلسطينية البطلة ، وتحويلها الاحتلال الاسرائيلي للقطاع إلى استثمار خاسر ومكلف ، كما حدث في جنوب لبنان .

2 – تخفيف الأعباء الميدانية ، وما يترتّب عنها من خسائر في أرواح الجنود الإسرائيليين التي تزايدت في الفترة الأخيرة بسبب التحسن النوعي في أداء الأسلحة التي يستخدمها أ بطال المقاومة الفلسطينية ، إضافة إلى تخفيف الأعباء المادية عن كاهل الكيان الصهيوني الذي أصبح مرهقاً نتيجة استمرار الانتفاضة ، وامتصاص قسم مهمّ من اليد العاملة الإسرائيلية كجنود احتياط ...

3 – خلق وقائع جديدة لامتصاص الضغوط السياسية الداخلية ، وملفات فضائح الفساد ، وشل المعارضة داخل / الكنيست / ، ليتمكّن من الاستمرار في الحكم حتى انتهاء ولاية حكومته في عام 2007 .

4 – شطب كلّ الاتفاقات السابقة بمختلف أشكالها( بالرغم من سوئها ) ، ومن ضمنها " خارطة الطريق " ، وإعادة صياغتها عمليّا لتتكيّف وتتطابق وتتماهى مع خطة الحجر الجديدة التي اعتمدها بمباركة أمريكية ، وبشكل تتحكّم فيه (إسرائيل ) بالأمور ، وتنعم باستقرار أمني لمدة ثلاثين عاما كما صرّح به /شارون / ومعاونوه ... وهذا يفسر سبب إدارة ظهره لأيّة حلول دائمة أخرى مقرّة أو مطروحة ...

5 – تجزئة النضال الفلسطيني ، وزرع الفرقة والانقسام داخل الصف الفلسطيني ، وخلق الظروف المناسبة لدعاة الاستسلام وقبول أيّ فتات تعرضه الحكومة الاسرائيلية والأطراف الدولية تحت شعار الواقعية الكاذبة ... كما أنّ إخراج وحجر ، أو تحييد أكثر من ثلث المواطنين الفلسطينيين المتواجدين في المناطق المحتلة عام 1967 من ساحة الصراع سيخفف من تبعات الاحتلال والسيطرة على الضفة الغربية ، ويساعد على إيقاف الانتفاضة الباسلة فيها ، وهذا كلّه سيخلق الظروف الملائمة لبروز انشقاقات عميقة داخل الشعب الفلسطيني ...

6 – استدراج النظامين المصري والأردني وجرّهما للقيام بدورين خطيرين في غزة والضفة بما يخدم خطط /شارون / ويحقّق المصالح الاسرائيلية  ...

7 – إلهاء الفلسطينيين والعالم ، وتوجيه الأنظار عن الاستمرار في بناء جدار الفصل العنصري ، وتعزيز وتوسيع الاستيطان في الضفة بحجة استيعاب مستوطني القطاع...

8  - إعطاء  / بوش / ورقة انتخابية تعينه في معركته المحتدمة مع منافسه الديمقراطي ، بالرغم من ضآلة الفرق بينهما بالنسبة لدعم الكيان الصهيوني الغاصب ، وإدارة ظهريهما لحقوق الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة ...

9 – قطع الطريق على قوى الانتفاضة من أيّ تجيير سياسي وإعلامي ومعنوي لصالح نضال الشعب الفلسطيني (كما حدث عند انسحاب القوات الاسرائيلية من جنوب لبنان ) يمكن أن يساهم في إجبار الحكومة الاسرائيلية على سحب قوات احتلالها في المستقبل من الضفة الغربية ، ويرفع من معنويات الجماهير العربية والإسلامية في كل مكان ...

تخبّط السلطة الفلسطينية وتآكل شرعيتها ورصيدها السياسي:

     -  إنّ غياب استراتيجية فلسطينية واضحة تعبّر عن إرادة الشعب الفلسطيني المكافح العظيم ، وتنسجم مع تضحياته وصموده وتلاحمه من جهة ، وتجابه الاحتلال الإسرائيلي والضغوط الدولية من جهة ثانية ، جعل السلطة الوطنية الفلسطينية تلهث وراء الأحداث يوما بيوم ن وتصمّ أذنيها عمّا تطالب به قوى وفصائل النضال الفلسطينية  ، وتدير ظهرها لما يجري في الشارع الفلسطيني ، وتتقاعس عن قصد أو إهمال عن معالجة أشكال الفساد المختلفة التي استشرت في أجهزتها الأمنية والحكومية والإدارية ، وفي أوساط الكثيرين من قياداتها ...ممّا خلق عرجاً في المسيرة الفلسطينية ، وأوجد ظروفاً ملائمة للتعفّن السياسي ، وغياب دور السلطة الفلسطينية ، وشللها ، وخاصة في ظل استهدافها من قبل سلطات الاحتلال والإدارة الأمريكية من جهة ، والصراع غير المشروع على الصلاحيات ، وتقاسم النفوذ بين مراكز القوى الطافية على السطح من جهة ثانية ، ممّا جعلها عاجزة وقاصرة عن قيادة نضال شعبها في أصعب وأعقد الظروف ، وزادها عزلة عنه ، وأضعف من مكانتها وهيبتها على الصعيدين العربي والدولي ، وخلق المناخ الملائم لتفريغ تضحيات الشعب الفلسطيني في أقنية جانبية ، بدلاً من أن تصبّ في المجرى العام الرئيسي المؤدّي إلى تحقيق أهدافه الوطنية المشروعة ،  كما أنّ تواجد القيادة الفلسطينية في المناطق المحتلة جعل أمنها الشخصي مهدّدا في كل لحظة ، وتحوّل إلى ورقة ضغط ومساومة سواءً من قبل الحكومة الإسرائيلية وأجهزتها الأمنية ، أم من قبل الإدارة المريكية وسماسرتها وأتباعها ، وعملائها في وطننا العربي من أجل الابتزاز والتنازل ، كما زاد الطين بلّة   التأخّر في تجديد ثقة الشعب الفلسطيني بأعضاء المجلس التشريعي ، ورئيس السلطة الوطنية الفلسطينية ما يزيد عن دورة انتخابية كاملة ، وكذلك الأمر بالنسبة للانتخابات البلدية ، ولانتخابات حركة فتح ، وترهّل وإعياء الكثير من القيادات الفلسطينية ، وانغماس بعضها بالفساد ، واللهث وراء مصالحها المادية والأمنية الخاصة ، ولو على مصالح شعبها ... وبناءً على هذا السياق كلّه ، قبلت السلطة الفلسطينية الاتفاقات والكثير من الإملاءات على علاّتها ، ومن ضمنها " خارطة الطريق "، وواجهت مشاريع /شارون/ وخططه ، وجرائمه ، وتكتيكاته بأفق سياسي مجتزأ التصوّر تُطمس من خلاله الأمور الجوهرية ، ويبقى الثانوي منها الطافي على سطح الأحداث منتظرة الفرج من التطورات السياسية داخل أمريكا و(إسرائيل) ... وكل هذا يؤدّي إلى تآكل شرعية السلطة الفلسطينية ورصيدها السياسي ، ويخلق الظروف الملائمة للإنشقاقات ،والفلتان الأمني ، والانقسامات داخل الصف الفلسطيني ، وحتى داخل حركة فتح ، الفصيل الذي قاد النضال الفلسطيني منذ حوالي أربعين عاما ، وهذا ما نشاهده مع الأسف في هذه الأيام الأخيرة ، والذي سيُلحق أفدح المخاطر والأضرار بالقضية الفلسطينية ، ويبدّد الكثير من المكاسب السياسية والقانونية والمعنوية التي حقّقتها قرارات محكمة العدل الدولية الأخيرة ، وقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي تلاها ....

وإزاء هذا الواقع الصعب والمعقد والمتردي  لابدّ من تصحيح الخلل في المسيرة الفلسطينية ، بحيث يتحقق التكامل والانسجام بين السلطة الفلسطينية والجماهير الفلسطينية وقواها المكافحة التي حققت أروع أشكال التلاحم والتضامن ، وأفشلت مخططات جرّها إلى صراعات تناحرية فلسطينية – فلسطينية ممّا قطع الطريق على أيّة فتنة داخلية يشعلها العملاء والأعداء ،  بينما نرى قيادة فلسطينية مترهّلة بمعظمها ، وقد غرق الكثيرون منها ومن أجهزتها الأمنية في الفساد ، والسعي لتحقيق مكاسب برجوازية من دم الشعب الفلسطيني، وعلى حساب الوطن والقضية ، وأصبح رهانها الأوحد المزيد من الغرق في وحول مسيرة التسوية التصفوية ، واللهث وراء مشاريعها وألاعيبها دون الاكتراث برأي القوى المناضلة الحية في جسد الشعب الفلسطيني .... ولهذا كلّه يجب أن تصحّح السلطة الفلسطينية مسيرتها بالعودة إلى أحضان الشعب الفلسطيني ، والتخلّص من الازدواجية المعاشة ، وذلك من خلال التلازم والاندماج بين الثورة والسلطة ، لأنّ هذه الإزدواجية وما ينجم عنها من تناقضات ، وخاصة في ظل التعفن السياسي والأمني الراهن ستؤدّي في حال استمرارها إلى ضياع القضية وخسارة الاثنتين ، ولهذا لابدّ من تصحيح المسار الفلسطيني على محورين متلازمين هما: إصلاح الأوضاع الداخلية المهترئة ، ومكافحة الفساد المستشري من جهة ، والمحافظة على استمرار الانتفاضة وتصاعدها من جهة ثانية ، وهذا لن يتأتى دون تفعيل هيئات ومؤسسات م.ت.ف على أسس سليمة ، وجعل السلطة  جزءاً من الحركة الوطنية الفلسطينية لا عبئاً ثقيلا على كاهلها ، وأن تعمل في خدمتها ، وتخضع للمصلحة الفلسطينية العليا ، ولمؤسسات منبثقة عن إرادة شعبية حرّة تنفّذ استراتيجية كفاحية وسياسية تصبّ في خدمة القضية وملزمة للجميع ... وهذا كلّه لايتمّ بدون إقامة قيادة فلسطينية موحّدة تشترك فيها كل فصائل الانتفاضة والعمل الوطني ، وهيئات وتنظيمات المجتمع المدني ... وهنا من المفيد والواجب الإشادة بالمبادرة الوطنية الفلسطينية التي تمتلك رؤية سياسية وكفاحية صائبة وصالحة للتفعيل ، للوصول إلى تجسيد وحدة وطنية كفاحية قادرة على متابعة النضال على طريق التحرير ، وتحقيق أهداف الشعب الفلسطيني، دون تفريط بثوابته الفلسطينية المقدّسة ...