الموقف الديمقراطي

نشرة يصدرها التجمع الوطني الديمقراطي في سورية

في هذا العدد :

 

" الجبهة الوطنية التقدمية " : ( المبدأ و التجربة الواقعية )..  ص 10

 

الانتخابات النيابية .. و ماذا بعد ؟..  ص 19

                  المجردون مدنيا و ضرورة إنهاء  مأساتهم .....  ص 26

 

منــع العــــدوان

لا زال ممكنــا

1- أغلب الظن أن العّد التنازلي لانطلاق العدوان الأمريكي على العراق قد بدأ. ربما تفصلنا أيام معدودات، أو بضعة أسابيع على الأكثر عن تشغيل الآلة العسكرية الأمريكية. بوش قال في آخر تصريحاته " إن اللعبة قد انتهت ". فكأنه يقول أن الأخذ والرد قد توقفا، وأن القرار بموعد شن الحرب قد اتخذ .

 

في رسالة حال الاتحاد، وهي الرسالة التي يوجهها الرئيس الأمريكي مطلع كل عام إلى المجتمع الأميركي عبر الكونغرس , قال إن أمته " في حالة حرب و أن اقتصاد بلاده في حالة انكماش "و إن علىشعبه أن يستعد " لعمليات المستقبل" وزعم أن العراق يخبئ أسلحة دمار شامل ويقيم علاقات مع إرهابيين وخصوصاً من تنظيم القاعدة وأضاف انه يريد أن يبدد  أي التباس " ففي حال لم ينزع صدام أسلحته كلياً, فإننا سنقود ائتلافاً لنزع أسلحته حفاظاً  على أمن شعوبنا والسلام في العالم " ووعد لمواجهة ذلك " باستخدام قوة الولايات المتحدة وجبروتها كلّه"، وإن" بلاده  لن تسمح لدكتاتور وحشي يزخر تاريخه بالأعمال العدوانية المتهورة، ويقيم علاقات مع الإرهاب، لن تسمح له بالسيطرة على منطقة حيوية وتهديد الولايات المتحدة ". هنا مربط الفرس: السيطرة على منطقة حيوية كالعراق والخليج والمشرق العربي  هي الهدف الحقيقي للسياسة الأمريكية . وتوجه إلى قواته المعسكرة في قواعدها على الأرض العربية وعلى سفنها في المياه العربية قائلاً : "إن أوقاتاً مصيرية لا تزال تنتظرها".

      وفي مجلس الأمن في أوائل شباط، لم يفعل باول وزير الخارجية الأمريكي، إلاّ كما فعل رئيسه، وإن بلغة أقل صلفاً، لأنها توجه إلى مجمع الدول والرأي العام العالمي. بحسب باول العراق يملك أسلحة دمار شامل ولا جدوى من عمليات التفتيش، أي أن الحرب لم يعد منها مناص. لم تكن "حجج" المسؤولين الأمريكان "وأدلتهم" عن امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل، وعن عدم تنفيذه لقرار مجلس الأمن مقنعة. ولعلهم لم يهتموا بإقناع أحد. فاهتمامهم منصب أولاً على تجييش الرأي العام الأمريكي وراء سياسة مقررة، ووراء خطوات جرى ويجري الإعداد لها، أما مسألة الدول الأخرى، الكبرى منها والصغرى، فهناك لغات أخرى يتم التفاهم من خلالها معها، منها لغة المصالح وكذلك لغة التهديد والضغط. مع البعض تجدي اللغة الأولى، ومع البعض الآخر تنفع اللغة الأخرى.

2- إذاً، إن لغة الكلام قد ضعف دورها، لأن صوت السلاح هو الذي يبرز ليحتل دور لغة الكلام. لذلك يعلن وزير الدفاع الأمريكي أن الجهود الدبلوماسية فشلت، ويقوم بالجولات الأخيرة على القوات الأمريكية المنتشرة في أكثر من مكان. الحشد الأمريكي في المياه القريبة من العراق : هناك أربع حاملات للطائرات، وحاملتان أخريان أعطيت لهما الأوامر للتوجه نحو الخليج، وما بين خمسمائة إلى ألف طائرة جاهزة للعمل، عدا عن قوات أخرى بطائرات مروحية يزيد عددها على مائتين وسبعين مروحية. حتى هذه الأيام هناك أكثر من مائة وعشرة آلاف جندي ينتشرون في منطقة الخليج، وهناك عدد آخر يقارب الثلاثين ألفاً، يستعدون للعسكرة في تركيا تمهيداً لفتح جبهة ثانية من شمال العراق إلى جانب الجبهة الأولى في جنوبه انطلاقاً من الكويت.

     بريطانيا، من جهتها تقدم مائة طائرة وثلاثين ألف جندي في طريقهم إلى المنطقة. وقد قررت تركيا السماح بتجهيز القوات العسكرية الأمريكية وانطلاق الطائرات الأمريكية من القواعد الأمريكية في تركيا ودخول قوات أمريكية جديدة إليها. وهي بدورها ستشترك في الحرب. أولاً لأنها تخشى من قيام دولة كردية في شمال العراق تكون مرتكزاً لأكرادها الذين يشكلون الجزء الأكبر من الشعب الكردي، والمكون الثاني في التركيب الإثني للدولة التركية. وتخشى ثانياً من خطط أمريكية تتعلق بالكيان التركي ذاته. وحسب رجب طيب أردوغان زعيم حزب العدالة والتنمية الحاكم " إن تركيا لا تستطيع إلاّ المشاركة في الحرب المقبلة لكي تكون شريكاً في اتخاذ القرار حول مستقبل العراق وفي الشكل الذي سيتحدد فيه الشمال العراقي ".

3- ما نعاينه حالياً هو التطبيق الفعلي للاستراتيجية الأمريكية الجديدة، التي كان بوش قد أعلنها، والتي تحولت فيها السياسة الأمريكية من الردع والاحتواء اللذين ميزاها خلال فترة الحرب الباردة، إلى الحرب الاستباقية ضد القوى والدول التي تهدد المصالح الحيوية للولايات المتحدة الأمريكية واعتماد مبادئ التصرف المنفرد والتدخل والصدام وعدم السماح لأية قوة أخرى بمساواة, بَلْهَ تخطي القوة الأمريكية، وذلك بعد أن تفكك الاتحاد السوفياتي، وانتهى عهد القطبية الثنائية وبدأ عهد القطبية الوحيدة.

     التطبيق العملي للاستراتيجية الأمريكية في المنطقة العربية هو إعادة تشكيل هذه المنطقة والانطلاق لإعادة تشكيل الشرق الأوسط كله، وتأسيس نظام إقليمي فيه، ملحق بالولايات المتحدة ومضمون لها من خلال الوجود العسكري الأمريكي المباشر، الأمر الذي كانت الولايات المتحدة قد بدأت به في حربها ضد أفغانستان واحتلالها لها. وها هي تنتقل إلى المنطقة العربية التي أصبحت أطرافها (البترولية) قواعد عسكرية أمريكية. بدورها تتابع إسرائيل تنفيذ مخططاتها ( ودورها في الحرب ) ضد الشعب الفلسطيني، والتي تتلخص ليس بالتنكيل بشيوخه وأطفاله ورجاله ونسائه وشبابه، بل أيضاً باجتثاث أسس وجوده على أرضه وإلغاء حقه في دولة على جزء منها ( على أساس تسوية ترتكز على قرارات المجتمع الدولي ) تمهيداً لتشريد ما يمكن أن يشرّد منه ( التراسفير ) وإنهاء حرب 1948 التي لما تنته حسب تعبير شارون. بكلام آخر: ارتباط الاستراتيجية الإسرائيلية بالاستراتيجية الأمريكية وتنسيق الأعمال العدوانية ضد العرب بين الطرفين أدى فيما مضى ( في ما سمي بحرب تحرير الكويت ) لتدفيع الشعب الفلسطيني لاحقاً حصة إسرائيل من النصر الأمريكي على العرب، وهو الآن يقود لنتائج مشابهة وإن كانت أبعد أثراً وأشدّ خطراً على القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني، وإن كانت إسرائيل تريد أن تقبض سلفاً، في فلسطين، حصتها من النصر الأمريكي الجديد، المتوقع في العراق.

     العراق هو مدخل الولايات المتحدة لتنفيذ استراتيجيتها في المنطقة وهو، في الوقت ذاته، هدف كبير لهذه الاستراتيجية بسبب نفطه واحتياطه النفطي، وكذلك بسبب موقعه الاستراتيجي وبسبب القدرات المتميزة لشعب العراق وارتباطه الوثيق بالقضية القومية وقضية فلسطين، والعراق أيضاً أحد أهداف إسرائيل لتنفيذ مخططاتها في الضفة الغربية وغزة.  

4- لم يكن من الممكن للولايات المتحدة أن تندفع نحو المنطقة بهذه القوة وهذا الإصرار على إعادة صياغتها وتشكيلها، لو لم تتوفر شروط أخرى من صنع أنظمتنا العربية، ومن صنع النظام العراقي نفسه.

     لا نريد أن نستفيض فيما صنعته الأنظمة العربية ببلدانها وشعوبها طيلة العقود الأخيرة من العقد المنصرم، ولا في الفرص التي أضاعتها على بلدانها ولا الثروات التي بددتها وأهدرتها، ولا الحريات التي وأدتها والسجون التي أقامتها. لكن خلاصة فعلها هو الوضع المتردي والسائد في هذه الأقطار والعجز الفاضح ليس في التصدي لمخططات الأعداء، بل في الدفاع عن الأنظمة ذاتها وهو أضعف "الواجبات".

     كذلك لا نريد أن نتوقف عند سياسات النظام العراقي التي أهدرت دماء أبناء العراق وثروات العراق وسيادة العراق، ووفرت الفرص وأفسحت المجال للإمبريالية الأمريكية، للتدخل لإعادة تشكيل العراق، وإعادة صياغة المنطقة العربية كلها، لكننا نريد أن نعيد ما طالب به قادة المعارضة الوطنية الذين اجتمعوا مؤخراً في باريس النظام العراقي، بالمبادرة بإجراء مصالحة وطنية و تشكيل حكومة إنقاذ وطني لتوحيد الشعب و الدفاع عن البلاد . وكذلك ما طالب به الشيخ حسين فضل الله وأخيراً الشيخ حسن نصر الله الذي شدد على عدم جواز مساعدة المعتدين الأمريكيين، لأن مساعدتهم عون على الأمة كلها وعلى فلسطين وكل دول العالم العربي والإسلامي. وطالب بمصالحة وطنية، وان تقوم بعض الدول العربية أو الإسلامية بالدعوة للقاء بين المعارضة والنظام الذي عليه أن يتواضع قليلاً أمام المعارضة ويعترف بها لأنها تمثل ملايين العراقيين في خارج العراق والملايين داخله . وطالب رأس النظام بالاعتراف بوجود مشكلة عراقية داخلية, ليست مشكلة حفنة من النخب في لندن أو أمريكا. وأشار إلى أن استلهام الشرعية من الشعب يعني ضرورة الاحتكام إلى الشعب لتشكيل حكومة تمثل كل القوى بمعزل عن أحداث الماضي وأحقاده . ذلكم هو ما ينصح به المخلصون النظام العراقي و ذلكم هو العمل الأساسي الذي يستطيع النظام العراقي من خلاله تعطيل مخططات العدوان الأمريكي الوشيك .

5- لكن النظام العربي ليس معفىً من واجباته وليس يكفيه سفر أقطابه هنا وهناك.فالمطلوب هو موقف موحد من حرب لن يربح منها أي نظام عربي. لأن الرابح الوحيد هو الحلف الأمريكي الإسرائيلي. هذا الموقف ينبغي أيضاً أن لا يكون كلامياً، كما عودتنا الأنظمة العربية.ففي مقدور  هذه الأنظمة، إن صح عزمها، أن توظف إمكانات كبيرة لديها لوقف الحرب وبالتالي إفساح المجال أمام دول أخرى كثيرة وأمام الرأي العام العالمي لمواجهة مخططات الولايات المتحدة، وإفشالها.

 

رسائل انتخابية

بعثت انتخابات الكنيست الإسرائيلي رسالتين مهمتين إلى العرب : نظما وأمة ، تقول أولاهما:

إن إسرائيل تختلف كثيرا اليوم عن ما كانت عليه حتى أواخر السبعينات ، وإن تطورات داخلية على قدر عظيم من الخطورة جرت فيها خلال الأعوام العشرين الأخيرة التالية لكامب ديفيد ومدريد ، غيرت موازين قواها الداخلية ،

وأدت إلى تشكل كتلة قرار جديدة تضم الجيش وغلاة المتطرفين القوميين والدينيين ، وتضم غالبية الجسم المسلح في مجتمع العدو ، الذي يشكل قرابة 20 % من سكانه ، فأحدث ظهورها تغيرا في أبنية ومفردات الحياة الإسرائيلية ، جعل علاقات الصهاينة بالتسوية متحولا من متحولات القوة ، لا يجوز أن تتعين على طاولة المفاوضات، وأقلم إسرائيل مع المستجدات الأميركية تجاه المنطقة العربية ، وطوى زمن السلام التفاوضي لصالح سلام القهر والغلبة، لاعتقاد القائمين به أن التطور تجاوز النظم العربية ،  المتداعية والآيلة إلى السقوط ، فلا يمكن أن تبقي إسرائيل التسوية معها بين أولوياتها الملحة . 

وتقول ثانيتهما إن زمن بلوغ الأهداف العربية عن طريق التفاوض قد ولى ، وهو لن يعود قبل مضي حقبة غير قصيرة ، بالنظر إلى تكيف إسرائيل الاستراتيجي مع نهج أميركي جديد في المنطقة ، برز بعد 11 أيلول 2001 ، وأخرج التسوية في فلسطين من أولويات أميركا قصيرة الأمد ، وخفض مكانتها في سلم اهتماماتها ، وأحل محلها نزوع صريح نحو القوة مع قضيتها ، التي تحولت بقدرة قادر من قضية وطنية تتطلب حلا عاجلا إلى قضية منجبة للإرهاب ، لا يجدي معها غير القوة ، التي يجب أن تدمر قدرة شعبها وسلطتها على المقاومة والنضال ، في وقت قصير قدر المستطاع ، لأن ترتيب الوضع العربي يجب أن يبدأ بضرب وشطب فلسطين ، و إلا وجد جيش العدو صعوبة في مساعدة أميركا ضد العراق ثم هذا أو ذاك من بلدان المنطقة ، بتخويف وردع الدول المجاورة أثناء الغزو الأميركي للعراق ، ثم بمد يد العون ، إن قررت أميركا, في ظروف من البلبلة والاضطراب, احتواء هذه الدول.

قال الإسرائيليون عبر صناديق الاقتراع ما كانت مدافع دباباتهم في الضفة الغربية وقطاع غزة تجهر به منذ نيف وعام : لسنا ذاهبين إلى السلام مع العرب ، وإنما نعد العدة لطور عنيف قادم على المنطقة ، سنلعب فيه دورا جديدا وواسعا إلى جانب أميركا ، باعتبارنا القوة الإقليمية الأكثر استعدادا له ، التي تريد أن تكون الرابح الرئيس منه . تعمل إسرائيل اليوم وكأنها صارت في مرحلة ما بعد السلام ، ويراود أذهان قادتها المتطرفين أنها تستطيع أن تكون أيضا في مرحلة ما بعد فلسطين ، إلى فترة طويلة قادمة .

ماذا فعلت النظم العربية لمواجهة ترتيبات إسرائيل ، والحقبة الخطيرة التي ستعصف بالوطن العربي ، والتي يعلن مدبروها أنها لن تشبه كثيرا ما سبق للعرب أن عرفوه في تاريخهم الحديث ، الحافل بالمآسي والنكبات ؟.

إنها لم تفعل شيئا في مواجهة إسرائيل أو لمواجهتها ، بل تمسكت بسياسة دفن الرؤوس  في الرمال ، وابتلاع  الألسنة، التي كثيرا ما ذبحت فلسطين بمزايداتها ، كأن ما يحدث على حدودها وضد ( قضية العرب المركزية ) يقع في عالم آخر، فهو لا يعنيها ولا يهدد مصالحها ، ولا يفضح وعودها لفلسطين ، التي وصلت هنا وهناك إلى حد الوعد بتحريرها وجعلها عربية خالصة العروبة .

لم تفعل القيادات العربية شيئا ، ولم تجرؤ حتى على النظر في عيون العدو ، خشية أن يغضب فتنهار النظم، التي  تمرجلت على شعوبها إلى أن انهد حيلها، وحين تحداها الصهاينة والأميركيون في فلسطين والعراق ، بانت الحقيقة، وافتضحت الأكاذيب، واستحقت احتقار شعوبها.لم تفعل النظم شيئا ضد العدو ( الذي أعاد احتلال فلسطين ودمر مقوماتها المادية ، ليكون قادرا على تخصيص الجزء الأعظم من قوته لمرحلة جديدة من الصراع على المنطقة ، وحقبة جديدة من السيطرة على دولها وشعوبها )  بل وجهت أنظارها نحو العراق ، لا لكي تشد أزره ، وتبعث ممثليها في زيارات عمل مكثفة إليه ،  وتعلن أنه خط أحمر لن تسمح لأميركا وبريطانيا بتجاوزه، وأن هناك اتفاقات دفاع عربي مشترك وميثاق جامعة عربية تلزمها بمعاونته على صد أي غزو يستهدفه ، وأنه مصلحة عربية عليا ومقدسة، لا تستطيع الوقوف مكتوفة اليدين إن هو تعرض للعدوان،  أو استهدفته الحرب .

وبدل أن يجتمع القادة العرب لتدارس نتائج الغزو الصهيوني لأراضي السلطة الوطنية الفلسطينية ، والأميركي للعراق ، ولتحديد انعكاساتها الأكيدة والخطيرة على بلدانهم وشعوبهم ، اتجهوا نحو العراق ، وشرعوا يطالبون حكامه بقدر أكبر من التعاون مع مفتشي الأمم المتحدة ، وبمساعدتهم على تنظيفه من أسلحة الدمار الشامل ، التي يجب أن يصدق تهم أميركا بأنه يمتلكها ويبادر إلى الاعتراف طوعا بوجودها لديه ، ولا بأس إن استقال رئيسه وذهب إلى المنفى ، شريطة أن لا يأتي إلى بلد عربي . هذه هي السياسة القومية الرشيدة  في حقيقتها التي لن تخفيها بعد اليوم أكاذيب وطنية وقومية مزعومة : تحشد أميركا قواها لاعتداء لا مسوغ له على بلد عربي رئيس ، فلا يخصها "قادة" العرب بكلمة استنكار واحدة ، ويركزون جهودهم على مراضاتها ، بتحميل العراق مسؤولية الاستجابة لمطالبها دون قيد أو شرط ، ويتصرفون بروحية من يريد إنقاذ نفسه لا إنقاذ العراق أو مساعدته ، بل ويتسابقون على التنصل منه بقدر ما تقترب الحرب ضده ، ويبنون مواقفهم على أساس أننا صرنا في مرحلة ما بعد صدام وأن القضية الرئيسة هي الآن : كيف ينجو كل منا بجلده ، بتجاهل فظاعة ما تعتزم أميركا فعله في العراق اليوم ، وبمحاولة كل واحد إلقاء غيره إلى النار الأميركية ، عسى أن يهلك الآخرون، ويؤجل سقوطه هو في لهيبها ، ولو لأيام أو لأسابيع ! . هذا هو رد السياسات العربية على إسرائيل وأميركا : الصمت على ذبح فلسطين ، وعلى ذبح العراق ، الذي يتحمل مسؤولية ما سيحدث له ، لأنه لم يتعاون مع المفتشين ولم ينزع طوعا أسلحة الدمار الشامل التي بحوزته ، ولأن حكامه لا يريدون مغادرته.

في هذه الأثناء ، تواصل أميركا ضغطها على النظام العربي ، مستغلة ما أبداه من تخاذل تجاه إسرائيل وابتعاد مشين عن فلسطين خلال العامين المنصرمين ، ومراهنة على تهافته، لكن أيضاً على قدرته على تكييف نفسه مع أي نمط من أنماط السيطرة والتحكم قد تفرضها عليه. هذا النظام الذي يرفض إصلاح ما تسبب به من ضرر شديد لبلدان ومجتمعات العرب، ويتمسك بما بلغته من انهيار تحت وطأة الفساد وانعدام الشعور بالمسؤولية والجهل، لأن الإصلاح سيضعف السلطة العاجزة ، وسيتطلب تطهيرها من الفاسدين وتاليا فهو سيشطرها ويفككها، لذلك تدعي أنها حائرة في أمره، لا تعرف من أين تبدأ به، مع أنك لو طلبت رأي أي مواطن في الإصلاح وبم يجب أن يبدأ وما هي مراحله ، لبينها لك بفصاحة ، دون تلعثم أو لجلجة . وفي جميع الأحوال ، فإن المواطن العربي ، الذي تعلم من موقعه الهامشي في الظل كيف يقرأ " الممحي " ، يلاحظ التناقض المرعب بين التحديات الأميركية / الإسرائيلية، التي تواجهنا، التي بلغت حدا من الخطورة  لم يسبق أن وصلت إليه خلال الأعوام الخمسين الماضية ، وبين السياسات العربية السائدة ، التي تنحدر كل يوم درجة إضافية في مهاوي الانحطاط ، مع أنها بلغت منذ وقت طويل أسفل السافلين ، وتجعل أوطانها أكثر انكشافا أمام أعدائها مما كانت عليه في أي وقت عرفته حقبة ما بعد عام 1948 ، وجعلت سلوك سلطاتنا يبز مهازل أحلك عصور الانحطاط العربي ، خاصة وأن سياسة " كرسيي يكفيني " أشد إيلاما وضررا من سياسة " بغداد تكفيني " ، لأن مغول العصر الحديث من صهاينة وأميركيين لا يقبلون المقارنة بمغول العصر العربي الوسيط . 

تفاقم خطان خلال العام الماضي : واحد انحداري / تخاذلي / انحطاطي  هو خط السياسات والأوضاع العربية ، وآخر هجومي/ عدواني/ ديناميكي هو خط العدو الأميركي / الإسرائيلي ، الذي يشن هجوما شاملا ومنظما على وطننا العربي ، يشجعه عليه افتقاره إلى الحماية والحصانة، بعد نيف وأربعين عاما من الإرهاب الاستبدادي / الافقاري ، الذي دمر مقوماته الروحية ، وبدد قدراته المادية ، وبدل قضاياه، وحوله إلى سجن يحتجز شعوبه في ظروف تشبه ظروف أسرى جوانتانامو، أسموها حياة وطنية . فهل نصدق ، ونحن بكامل قوانا العقلية ، أن الفاسدين المفسدين، الذين تسببوا بما نحن فيه يمكن أن يغيروا نهجهم ويستردوا شعورهم الضائع بالكرامة،  ويواجهوا أميركا وإسرائيل ؟. وهل نصدق أن من استخدم الوطنية والقومية سلاحا يقهر به وطنه ومواطنيه ، يمتلك بعد من الصدقية ما يتيح له استخدامها من الآن فصاعدا لمصلحة أمته وبلدانها؟.

تنطوي في أيامنا هذه صفحة حقبة من أسوأ ما قيض للعرب الخضوع له . وينفتح باب حقبة جديدة ستتعين بدرجة انخراط المجتمعات العربية في النضال دفاعا عن أوطانها ونفسها ووجودها ، لأنها هي الهدف الحقيقي للعدوان .

 

 

 

" الجبهة الوطنية التقدمية "

المبدأ .. و التجربة الواقعية

 

(1)_ نظرة إلى الوراء  وتساؤل:

شكًّل القانون الصادر في 12/3/1958 والقاضي بحل الأحزاب السياسية في الإقليم السوري بعد الإعلان عن الوحدة بين سورية ومصر في 22 شباط 1958،انقطاعاً في العملية الديمقراطية المتنامية في سوريا خلال خمسينيات القرن الماضي . إذ لم يصدر قانون خاص بتنظيم العمل الحزبي بعد ذلك،إنما جاءت " ثورة 8 آذار " لتعلن حالة الطوارئ التي مازالت مستمرة إلى يومنا ,وبعدها تأسست" الجبهة الوطنية التقدمية" في السابع من آذار 1972, وجاءت المادة الثامنة من دستور عام 1973 لتؤكد على أن "حزب البعث العربي الاشتراكي هو الحزب القائد للدولة والمجتمع,ويقود جبهة وطنية تقدمية تعمل على توحيد طاقات جماهير الشعب في خدمة الأمة العربية"وتشكلت هذه الجبهة من عدة أحزاب قومية وشيوعية بقيادة حزب البعث وزاد عمرها اليوم على الثلاثين عاماً.

بعد مرور هذا الزمن الطويل على تجربة "الجبهة الوطنية" في الحكم , وبوصفها ظاهرة , كانت و لا تزال , عنوان " التجربة السورية الفريدة " في العمل الوطني الديمقراطي كما يشيع محازبوها ومناصروها , فإننا نعتقد أنها بحاجة لقراءة جدية لتقييم تاريخها ومحاولة استكشاف آفاقها ,خاصة في ظل الإصرار القائم على استمرارها بحقن الدماء في عروقها المتخشبة . إن تجربة "الجبهة الوطنية " كأي ظاهرة بحاجة إلى وقفة تأمل من جميع المهتمين بالشأن العام السوري , خاصة عندما يتآكل دورها وتصبح غير قادرة على القيام بأي دور مهما كان بسيطاً أو جزئياً.

نحاول هنا تقديم إطلالة سريعة على تلك التجربة , رغم قناعتنا بالحاجة لتقييم مفصل لها يعالج ميثاقها ومسيرتها وعلاقتها بالدولة والبشر والفكر السياسي , ومع ذلك تكتسب هذه الإطلالة السريعة أهمية خاصة بعد انعقاد مؤتمرين لها بهدف تفعيلها وتطويرها وبحكم مجيء مؤتمرها الثاني عشية قدوم استحقاق انتخابات مجلس الشعب في دورته الثامنة . أول ما يتبادر إلى الذهن في هذا المجال تساؤل رئيسي مشروع : هل حققت الجبهة بعد هذا العمر الطويل الأهداف التي كانت تصبو إليها أو جزءاً منها , والتي حددها ميثاقها ببناء المجتمع العربي الاشتراكي الموحد وتعزيز الوحدة الوطنية وتمتين الجبهة الداخلية وتوثيق علاقات التعاون والعمل المشترك بين الأحزاب المشاركة فيها بديلاً لعلاقات التناحر وبما يؤدي إلى تحقيق الديمقراطية.؟..إنه التساؤل الرئيسي الذي يطرح بأشكال مختلفة لكن مضمونه ينعقد دائماً حول إنكار فاعلية الجبهة وأحزابها في لعب أي دور سياسي حقيقي في أوضاع البلاد والعباد .

(2)-"الجبهة الوطنية": المبدأ والتجربة الواقعية:

لم تكن تجربة "الجبهة الوطنية" , كما يخيل للبعض , إنتاجاً وطنياً خالصاً بل إنها مستنسخة أو مستوحاة- كما تؤكد وثائق الحزب الحاكم -من تجارب شعوب وأمم أخرى , وهذا يعني بطلان حجة أصالة التجربة أو عدم "استيرادها" التي يعلنها , على الدوام , المدافعون عن التجربة واستمرارها و"المقتنعون" بأنها الشكل الوحيد الملائم لمجتمعنا ولخصوصيته التاريخية والثقافية والدينية .أما "ميثاق الجبهة" الذي وقعته الأحزاب آنذاك وتعهدت فيه باستبعاد الطلاب من دائرة نشاطها وعملها , فإنه كان بداية النهاية , فضلاً عن الإقرار بقيادة حزب البعث للدولة والمجتمع واحتكاره على مستوى القيادة المركزية للجبهة لتسعة أعضاء من أصل سبعة عشر عضواً , الأمر الذي عنى من حيث المبدأ تغييب أية صفة تمثيلية حقيقية لهذه الأحزاب وانتفاء الآليات والممارسات الديمقراطية داخل الجبهة , و بالتالي أضحت الجبهة نافية للسياسة داخل أحزابها , و أداة لإلغاء السياسة من المجتمع .

وإذا ما أضيف لهذه التضييقات أيضاً حرمان هذه الأحزاب من فتح مقارٍ رسمية لها والإعلان عن برامجها ونشاطاتها ومنعها من إصدار صحافة حزبية حقيقية , و حظر أي علاقة بين أي حزب من أحزاب الجبهة و بين أي حزب في أي قطر عربي إلا عن طريق حزب البعث , فإنه يغدو من الطبيعي , كما هو اليوم , ظهور المناخ الملائم لنمو العقلية الاتكالية داخل معظم تلك الأحزاب في مقابل العقلية الوصائية في الحزب الحاكم .

هذه الأرضية حرمت أحزاب الجبهة من أن تكون أحزاباً فاعلة , بل إنها قبلت بالأمر الواقع لأسباب ذاتية داخلية ولأسباب موضوعية تتعلق بالشروط التي فرضتها الجبهة , ليصبح معظمها تدريجياً مؤسسات متخشبة غير مالك إلا لعدد من الكوادر القديمة ومفتقد لأي رصيد معنوي إيجابي في الشارع السياسي , خاصة بعد الحالات المتعددة من الانقسام و التشظي .

منيت جميع أحزاب الجبهة , باستثناء حزب البعث , بانقسامات عديدة , فالقسم المتبقي من "الشيوعيين" داخل الجبهة انقسم إلى "حزبين" يحملان الاسم ذاته , أما العناصر التي بقيت من"الاتحاد الاشتراكي" داخل الجبهة فإنها تعاني أيضاً من انقسامات عديدة واتهامات متبادلة ومعاناة دائمة من ممارسات الأمين العام الذي أفقد "حزبه" كل مبرر للوجود والاستمرار كخط فكري سياسي مستقل , والحالة ذاتها طالت "الوحدويين الاشتراكيين" و "حركة الاشتراكيين العرب" و لازالت انقسامات أخرى محتملة في المستقبل .

لم تأتِ تلك الانقسامات , إلا فيما ندر, استناداً لأسباب فكرية سياسية بل كانت في غالبيتها وليدة أسباب نفعية وانتهازية , فبُنيت التكتلات وصيغت المؤامرات للحصول على كرسي وزاري أو مقعد نيابي أو موقع في المجالس المحلية . تلك المسؤوليات التي بات يُنظر لها على أنها غنائم وامتيازات ليس أكثر.

أدت تلك الامتيازات التي حصلت عليها بعض القيادات الجبهوية , مع مرور الزمن , إلى تشكل شريحة من المستفيدين والفاسدين داخل تلك الأحزاب , أصبح همها وهاجسها الأساسي هو كيفية الحصول على امتيازات مادية ومعنوية أكثر وكيفية الاحتفاظ بها لأطول فترة ممكنة .

حضرت المصالح وغابت البرامج والأفكار والمواقف , وتلاشت الصفات النضالية والكفاحية بل وحتى السياسية عندما كفت تلك الأحزاب عن التعبير عن مصالح الناس والدفاع عنهم أمام "الدولة" التي اندمجوا بأجهزتها كالحزب الحاكم واستفادوا من امتيازاتها , وغابت أيضاً "الاستقلالية" و "الندية" إزاء "الحزب القائد" الذي تدخل في بعض الأحيان حتى في تحديد بعض الأمناء العامين لتلك الأحزاب وتحديد أسماء بعينها منها للمناصب الوزارية , بغض النظر عن آراء وترشيحات أحزاب الجبهة.

اختارت إذاً تلك التشكيلات الحزبية في البداية ومن حيث المبدأ التحول إلى هياكل كرتونية و ديكورات , وفي سياق التجربة الواقعية ولدت صوراً مؤذية للحركة السياسية الوطنية في سوريا بشكل عام بما برز منها من انقسامات نفعية وتعميق لظواهر "الشللية" القائمة على اعتبارات "مادون سياسية " وإلى جانب ذلك برزت ظاهرة توريث المناصب والمواقع والامتيازات , أو بيعها في بعض الأحيان , لتتحول في المآل الأخير من "تشكيلات سياسية" إلى مجرد مصادر سريعة للمكاسب والغنائم.

وهذا كله ساهم على الصعيد العام في فقدانها معايير الصدقية , وتشويه الممارسة السياسية الحزبية والإساءة للحركة السياسية الوطنية , وساعد كذلك على انفضاض الناس عن "السياسة" و "الشأن العام" , وتكرست حالة من عدم الاكتراث واللامبالاة عندهم , والعودة للانتماءات والولاءات المعيقة التي تطفو إلى السطح بشكل جلي إبان الدورات التشريعية لمجلس الشعب , في مقابل ضمور الولاء للوطن والبرامج والأهداف والسياسات .

(3)-المؤتمر الثاني ل"الجبهة الوطنية":

مازالت السلطة السياسية مصرة على صيغة "الجبهة الوطنية" كطريقة في الحكم وممارسة الشأن السياسي , وكذلك أصحاب الامتيازات في أحزاب الجبهة الذين قد يتهدد مواقعهم الخطر بزوال الصيغة , وذلك على الرغم من رائحة العفن التي تفوح منها , ووضوح الخراب الذي أنتجته على صعيد الواقع . فبعد مجيء الرئيس بشار الأسد إلى سدة الرئاسة قيل إن "الجبهة" وضعت أمام مهمة تفعيل دورها وزيادة تأثيرها في حياة البلاد السياسية , فما الذي جرى في هذا الإطار منذ الإعلان عن هذا التوجه قبل ما يزيد على العامين ونصف ؟..

      انعقد المؤتمر العام الأول للجبهة في 21/12/2001 وانعقد مؤتمرها الثاني في الفترة مابين 21-23/12/2002 . اكتسب المؤتمر الثاني "أهمية" خاصة بحكم انعقاده عشية انتخابات مجلس الشعب لدورته الجديدة وزاد في تلك "الأهمية" مشاركة القيادة القطرية لحزب البعث الحاكم وأعضاء الحكومة السورية , بما يعني أن النقاشات ستسهم في اتخاذ "قرارات" لها صفة الفعالية . وقد شارك فيه /350 /عضواً منهم /238/ عضواً هم قيادات فروع الجبهة في المحافظات السورية و/72/ عضواً هم قيادات أحزاب الجبهة , إضافة إلى وفدين يمثلان الحزب السوري القومي الاجتماعي وحزب الاتحاد العربي الديمقراطي , وهما يشاركان للمرة الثانية في هذا المؤتمر بصفة مراقب رغم كونهما ليسا من أحزاب الجبهة.

        إن إلقاء نظرة موضوعية على الواقع الداخلي السوري , بدءاً من طرح مهمة "تطوير الجبهة" ومروراً بمؤتمريها الأول والثاني وحتى هذه اللحظة , يجعلنا نقول أنه لم يجرِ الشيء الكثير في هذا المجال .

إذا كان السماح لأحزاب الجبهة بافتتاح مقارٍ لها تضع عليها "اليافطات التعريفية" الخاصة بها والسماح لها بإصدار صحف ناطقة باسمها وإلغاء الحظر المفروض على عملها بين الطلاب قد جاء-رغم أن هذه الإجراءات هي أساسيات بديهية لوجود الأحزاب- بعد ما يقارب الثلاثين عاماً من عمر الجبهة , فمتى يمكن ل "توصيات" المؤتمر الأول للجبهة-على ضآلتها قياساً بما يتطلبه الوضع الداخلي- أن ترى النور؟. هذا إذا تجاوزنا التناقض الواضح بين اعتبار "الجبهة الوطنية التقدمية" بحسب الدستور أعلى قيادة سياسية في البلاد وبين تسمية ما يصدر عنها ب"التوصيات" وليس "القرارات" المفترضة التطبيق ؟.

تضمن المؤتمر الأول , على مستوى العمل الجبهوي مثلاً , اقتراحاً بتأمين مقرات لفروع الجبهة في المحافظات واقتراحاً بتطبيق فروع الجبهة لتعليمات القيادة المركزية وقراراتها واقتراحاً بتعديل ميثاق الجبهة أو حتى صياغة ميثاق بديل , وغيرها من الاقتراحات التي لا نكاد نلمس تطبيقاً لمعظمها عندما جاء مؤتمرها الثاني , فهل الجبهة عاجزة لهذه الدرجة مثلاً عن صياغة " ميثاق" جديد خلال عام ؟ أم أن تفعيل الجبهة يتأتى عن طريق منح الامتيازات المجانية بزيادة مقاعد أحزاب الجبهة في تشكيل الحكومة، كما تم في تشكيل " حكومة ميرو الثانية" قبل أيام معدودة من انعقاد المؤتمر الأول للجبهة ،عندما أصبح عدد مقاعد أحزاب الجبهة ثمانية بعد أن كانت أربعة فقط 0

كان على أحزاب الجبهة، فيما لو توافرت الإرادات و النيّات الصادقة، أن تطالب في مؤتمرها الأول و الثاني، بل وتسعى لفرض، مراجعة شاملة للنظام الانتخابي الحالي لمجلس الشعب، وإصدار قانون ديمقراطي عصري ينظَّم العمل الحزبي، وليس التأكيد على تقاسم السلطة مع الحزب الحاكم، فضلاً عن ضرورة المطالبة بتحجيم قانون الطوارئ أو وقف العمل به وإلغاء الأحكام العرفية المعمول بها في البلاد، والسعي لإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، والتعويض لهم عن الأضرار التي لحقت بهم، والاعتراف بوجود طيف سياسي معارض ورأي آخر مختلف، وغيرها من المطالب التي يساهم تحقيقها في توفير المناخ الضروري لعلاج سلسلة العلاقات المشوّهة بما فيها " التحالفات" بين أحزاب الجبهة و" الحزب القائد للدولة و المجتمع" والعلاقة بين الأحزاب والناس وبين البشر والقانون،والذي يؤدي في المحصلة لإنتاج حياة سياسية سليمة0

هذا التقييم للجبهة و لدورها وفاعليتها،لا يثلم وطنية أحد، إلا أولئك المندرجين في شبكة الفساد والامتيازات والمصالح، كما لا يعني انتفاء وجود بعض الأصوات المخلصة والجريئة داخلها،خاصة في الحزب الشيوعي السوري ( يوسف فيصل) الذي تحاول بعض كوادره تقديم عمل جدي مختلف و تطرح بعض القضايا الداخلية الحيوية بشيء من الصدقية و الجرأة، إلا أن هذه الأصوات تذهب دائماً أدراج الرياح طالما بقيت الآليات و الصيغ الحاكمة ثابتة 0

(4)_ أين الخلل، وما سبل التغييـر؟

ما سبق يطرح سؤالاً جوهرياً هو : أين الخلل، وكيف السبيل لتجاوز الآفاق المسدودة وإقامة حياة سياسية سليمة ؟0

تاريخياً لم تستطع " الجبهات" الأكثر متانة وتطوراً من " الجبهة الوطنية السورية" أن تقدَّم ما يثري الفكر السياسي و الوضع الداخلي في بلدانها، فالجبهة التي تأسست في تشيكوسلوفاكيا السابقة عام 1945 عجزت عن الحفاظ على وحدة الوطن، والجبهة التي تأسست في ألمانيا الشرقية لم تفلح في الحفاظ على المكتسبات الاشتراكية، والجبهات الأخرى في بلغاريا1944 وفي المجر 1944 تحّولت بعد فترات وجيزة إلى " حزب واحد" , وجمعيها وصلت في المآل الخير إلى الانحلال، فهل يختلف مصير " جبهتنا " عن مثيلاتها التي استوحت منها تجربتها00 ؟

هل يكون " الإصلاح" من خلال الحفاظ على صيغة ثبت عقمها في الواقع العالمي، والمحلي ؟

إن وسائل الإنعاش لن تؤتي ثمارها والحلول التنشيطية التكنيكية لن تنهض بجسدها المترهل، فالخلل أعمق مما قد يبدو للمتمسكين بالصيغة . إنه يقبع في الصيغة ذاتها0

هذا لا يلغي أهمية و مشروعية " التحالفات السياسية " التي تعتبر أمراً حيوياً في العمل السياسي، لكن لابد من إعادة النظر الجدية بأشكال التحالفات و مكوّناتها، كما لابدّ من إقامة تلك التحالفات بين أنداد متكافئين و متساوين في الحقوق و الواجبات، دون أن يتحول طرف ما ليكون عبئاً على آخر، أو يكون خاضعاً لوصاية أحد . فضلاً عن أن الحالة الديمقراطية قد تؤدي لتشكيل " تحالفات " جديدة تختلف مرتكزاتها و ثوابتها و أطرافها0

إن الظروف الراهنة داخل البلاد، وفي العالم، تفرض واقعاً جديداً يتطلب التعامل و التفاعل الإيجابي , فالصيغ القديمة لن تنفعنا، مهما اختلفنا في تقييمها، سواء على مستوى المفاهيم أو الآليات ، خاصة بعد أن تشكل اليوم ما يشبه الإجماع بضرورة وضع قواعد جديدة للعمل السياسي في البلاد، وبعد ما ظهر أن طيف الحركة السياسية الوطنية اليوم أوسع من الطيف الذي تمثله الجبهة وأحزابها 0

إن تجاوز حالة الركود و الشلل السياسي يتطلب جملة من الأمور، يأتي في طليعتها:

       1- إصدار قانون عصري ديمقراطي للأحزاب، يتيح للقوى السياسية في سوريا، داخل الجبهة وخارجها، التحول إلى مؤسسات سياسية حقيقية ومتساوية أمام القانون في الحقوق و الواجبات وبما يضمن " الاستقلالية " للأحزاب التي افتقدتها على مدار العقود الثلاثة المنصرمة0

       2- إيجاد نظام انتخابي جديد لمجلس الشعب، يكون كفيلاً بإظهار الوزن الحقيقي لكل مكوَّنات الحركة السياسية الوطنية في سوريا، بعدما تكشف أن آلية التمثيل في النظام الحالي ولدّت حالة من التراخي عند الأحزاب إزاء الشارع السياسي، وبعد أن اختفى من الحياة السياسية وجود آلية واضحة لسبر فعالية تلك الأحزاب، والذي أدى لجمود الأفكار والبرامج وآليات العمل . فضلاً عن أنه لا يعقل أن يبقى النظام الانتخابي ثابتاً لأكثر من خمسين عاماً، في الوقت الذي يطرح فيه العهد الجديد تطوير القوانين و التشريعات كمهمة ملحة0

إن الوقت مازال يسمح - لكنه لا يعمل تلقائياً لصالح أحد- لإنعاش و تجديد الحياة السياسية في البلاد،إذا ما اقتنعنا بضرورة الانتقال بالعمل السياسي من فلسفة " الحزب القائد و الجبهة المتطابقة معه" إلى تعددية سياسية حقيقية وأوضاع ديمقراطية، لكن ذلك يتطلب كثيراً من الصدقية والمزيد من الإرادات الشجاعة، فمن سيكون على مستوى المسؤوليــة !؟

 

 بيان

من أجل انتخابات حرة و نزيهة

من أجل مستقبل الديمقراطية في البلاد

نقاطع الانتخابات

منذ أواسط السبعينات، لم تشارك أحزاب التجمع الوطني الديمقراطي في انتخابات مجلس الشعب.  و لم يكن هذا الموقف من الانتخابات نابعاً من سلبية تتجاهل أهمية هذا الاستحقاق السياسي الهام في حياة البلاد. إنما كان حصيلة تقييم جرى لشكل و مضمون العملية الانتخابية كما كانت تجري، حيث تعد القوائم في دوائر مغلقة حزبية و أمنية خاصة، توزع فيها الحصص على أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية، و تمارس فيها كل أشكال تجاهل إرادة الناخبين، لتأتي النتائج كما كانت مقررة سلفاً من الذين وضعوا القوائم و حشدوا الناس عبر ماكينة الدولة و أحزاب الجبهة لتحقيق ذلك. و بهذا تصبح الانتخابات عملية شكلية ليس لها من صفات الانتخابات إلا الاسم. لذلك قوبلت باستمرار بالتجاهل و اللامبالاة من أوساط شعبنا التي أبعدت و استبعدت من المساهمة في تقرير مصير البلاد عبر انتخاب ممثليها الحقيقيين إلى مواقع القرار.

         كان يمكن للانتخابات الحالية أن تكون فرصة يشارك فيها الجميع، حيث يعود فيها الشعب إلى الحقل العام، يمارس فيها واجبه الانتخابي، و تعود فيها جميع القوى السياسية و ممثلو الرأي العام إلى ممارسة حقهم الشرعي في الترشيح و الانتخاب و نيل ثقة الشعب. و يتسابق المرشحون لنيل ثقة المواطنين، عوضاً عن تسابقهم لنيل تزكية المسؤولين .

         في تعميمه المؤرخ بتاريخ 18/11/2002 بشأن الانتخابات أكد التجمع أنه يتطلع " إلى الانتخابات القادمة و يراها مفصلاً تاريخياً يتمنى ألا يفوت على البلاد، تتمثل هذه الفرصة في ضرورة الكف عن إضاعة الوقت الثمين الذي أهدر منه قدر يبعث على الخيبة في العامين الماضيين... تتمثل هذه الفرصة أيضاً في طبيعتها التي تحتمل ملاقاة الناس و المعارضة مع السلطة على الطريق التي تفصل بينهما، مما يسهل المصالحة و يستبدل السلبية بالمشاركة و النفور بالايجابية..و يفتح الطريق إلى الحوار الحقيقي"  و كان التجمع يشير في ذلك إلى الطيف السياسي الواسع في سورية الذي أكد مراراً أن قانون الأحزاب و قانون الانتخابات يشكلان جزءاً أساسياً من عملية الإصلاح السياسي.

      لكن القيادة السياسية في سوريا قد حسمت خياراتها بعدم الاستجابة للمطالب المحقة و توفير الحد الأدنى من المطالب الشعبية و السياسية، و تحقيق انتخابات حرة و نزيهة تكون خطوة جدية على طريق الإصلاح و التغيير الديمقراطي و الوحدة الوطنية. و عبرت بذلك عن إصرارها على الآلية التي جرت عليها الدورات الانتخابية الشكلية السابقة.

إن التجمع الوطني الديمقراطي يؤكد على ثباته على النهج الاستراتيجي الذي نشأ عليه، نهج العمل الديمقراطي من أجل إحداث تغيير ديمقراطي شامل. و يؤكد على ثبات مواقفه و مطالبته في ضرورة العمل من أجل إعادة السياسة إلى المجتمع عن طريق إقامة نظام ديمقراطي حقيقي يعترف بالتعددية السياسية و الحزبية و يحتكم إلى صندوق الاقتراع من أجل تداول سلمي للسلطة، و على أن الإصلاح السياسي هو المدخل الأساسي للعملية الإصلاحية بأبعادها الاجتماعية و الاقتصادية و الإدارية. و على أن الاحترام الكامل لحقوق الإنسان هو المدخل الأولي لأي إصلاح.

إن التجمع الوطني الديمقراطي سيبقى إلى جانب كل القوى الديمقراطية و المواطنين في العمل من أجل وطن خال من الأزمات و قادر على مواجهة التحديات و لا يكون ذلك إلا عندما نرى الشعب و قواه السياسية  تشارك بانتخابات حرة و نزيهة تكون إرادة الناخبين فيها هي الفيصل.

 لأجل ذلك يعلن التجمع الوطني الديمقراطي امتناعه عن المشاركة بالانتخابات .

 

     دمشق 25/1/2003                         

                                                          التجمع الوطني الديمقراطي

                                                                  القيادة المركزية

    

 

 

 

 

   الانتخابات النيابية : وماذا  بعد ؟

 

     المجلس النيابي أحد أهم مؤسسات المجتمع الديمقراطي. لأنه يمثل السلطة التشريعية المناط بها سنّ القوانين، وتعديلها، بما فيها الدستور الذي يشكّل عماد ومرتكز النظام القانوني. ومنه تنبثق السلطة التنفيذية. فهو الذي يمنحها الثقة، أو يسحبها منها وبالتالي يفترض بها أن تكون ملتزمة بالقوانين التي يصدرها المجلس، وبالبرنامج الذي تأخذ الثقة بموجبه.

     هذا الدور المركزي الأساسي للمجلس التشريعي والذي ينفرد بإصدار القوانين، ليس هو المعمول به في سورية. فالمجلس التشريعي يتقاسم نظرياً سلطة التشريع مع رئيس الجمهورية، ورئيس الجمهورية رغم أنه رئيس السلطة التنفيذية ( الإجرائية ) فهو يمتلك سلطات تشريعية هامة. فله حق سنّ التشريعات بمراسيم اشتراعية لها قوة القانون، خلال فترات انعقاد المجلس أو في غيابه. ورغم هذا الاشتراك الوظيفي بين الطرفين , إلا أن المجلس يبقى المصدر الرئيسي للتشريعات , والأهم من ذلك يبقى الجهة الأكثر قرباً من القاعدة الشعبية – من الناحية النظرية  – وذلك بسبب انتخابه بشكل دوري عبر صناديق الاقتراع.

     هذا الدور النظري ( القانوني ) تعطّل من الناحية العملية، بسبب طبيعة النظام السياسي الشمولي الذي تتحكم فيه المؤسسة الأمنية عن طريق " المؤسسة الحزبية " المتمثلة بالحزب " القائد للدولة والمجتمع " وأصبح بحكم الأمر الواقع مجرد جهاز تابع للسلطة التنفيذية يستمد منها سلطته الفعلية، بدلاً من أن يستمدها من قاعدته الانتخابية ( بحكم أن الحزب الحاكم هو من يتحكم بالانتخابات وبقوائم المرشحين، والفائزين، لأنه يحتكر جميع السلطات بين يديه، وينفي وجود قوى معارضة تنازعه هذا الاحتكار ).

     من هذه الزاوية لم ينظر إلى " الانتخابات " طوال العقود الثلاثة الماضية باعتبارها استحقاقاً شعبياً، وإنما اعتبرت عن حق بأنها مجرد استحقاق فولكلوري يتعلق بالسلطة القائمة وحدها، وينحصر دور المواطنين، بأنهم مجرد " كومبارس " في تلك المسرحية .

     ومع تنامي فكرة الإصلاح، بعدما وصلت إليه سورية من انسدادات، وتبني بعض رموز السلطة لهذا المصطلح في مواجهة الاستحقاقات الخارجية والداخلية، أعيد طرح إمكانية تحويل هذا الاستحقاق إلى مدخل للإصلاح السياسي الديمقراطي الشامل والمتدرج، عن طريق استعادة هذه المؤسسة لدورها كممثلة للشعب لا ممثلة عليه , وعن طريق تحويل استحقاق الانتخابات إلى ساحة عمل لاستعادة المجتمع للسياسة، عبر إتاحة المجال أمام قوى التغيير الوطني الديمقراطي للمساهمة في تسييس الانتخابات وطرح برامجها، وإعادة إنتاج نخب سياسية شعبية تستمد قوتها من الناخبين، أي من المواطنين.

     وعلى هذا الطريق، طريق تسييس الانتخابات، طرحت قوى المعارضة الوطنية الديمقراطية موقفاً إيجابياً، فربطت هذا الاستحقاق والمشاركة فيه بتحويله إلى مدخل للإصلاح الديمقراطي، تستعيد فيه العملية الانتخابية مكانتها كفعل سياسي يساهم في دفع المواطنين للمشاركة في صنع الحياة السياسية، وبالتالي في صنع القرارات المتعلقة ببناء الوطن وتقدمه وتوفير العدالة لمواطنيه. وتقدمت بمطالبها على طريق إعادة الاعتبار لهذا الاستحقاق، ورغم أن تلك المطالب لم تشكل الحد الأدنى للتغيير الديمقراطي الذي تحتاجه سورية، إلا أنها هدفت إلى كسر جمود الدعوة " الإصلاحية " ووضعها على سكة الحركة، وهو ما لم يستجب له أولو الأمر، في إشارة واضحة الدلالة على الرغبة بإبقاء الأوضاع في حالة الجمود أو " الاستمرارية "، والبقاء على سياسة إدارة الأزمات بدل معالجتها، وهي السياسة ذاتها التي أدت إلى اختناقات المرحلة السابقة وانسداداتها.

     وهنا يتبين أن المطالب التي تقدمت بها القوى الوطنية الديمقراطية على بساطتها، كانت واضحة الأبعاد ليس لقوى التغيير الديمقراطي فحسب، وإنما أيضاً للقوى المحافظة، وكذلك لقوى الفساد . لقد أدركت هذه أن كرة الإصلاح والتغيير الديمقراطي، لن تتوقف حتى تصل إلى هدفها النهائي في تحقيق إصلاح شامل، فأرادت عبر هذا التجاهل أن تقطع الطريق أمام الإصلاح الديمقراطي وأمام إعادة تعميم السياسة كفعل شعبي يمارسه المواطنون وإن في مناسبة الاستحقاق الانتخابي النيابي.

     لقد كان هدف قوى الجمود والفساد واضحاً ومحدداً بإخراج عملية الانتخاب من قيمتها الأصلية كعمل سياسي، والإبقاء عليها كمجرد ديكور مهرجاني لتأكيد وحدانية السلطة في مواقعها القابضة على الدولة والمجتمع، ولعل هذا ما يفسر تلك الصورة الهزلية لانتخابات ما يفترض أنه سلطة تشريعية عليا، إذ تبرز أسماء المرشحين  وصورهم في غابة اللافتات واليافطات واللوحات والإعلانات المصورة، وتغيب نهائياً الشعارات والبرامج السياسية، وحتى المطالب الاجتماعية، الأمر الذي يجعل من الانتخابات دون الحدود الدنيا لممارسة السياسة، ويبقى جميع المرشحين بانتظار قوائم السلطة، التي تنتهي مع صدورها العملية الانتخابية بمجملها، ولا يبقى سوى إجراءات إدارية محكومة بالنتائج المقررة سلفاً.

     لقد كشف تمسك السلطة بالإبقاء على الوضعية السابقة، وعدم تلبية مطالب الحد الأدنى لتسييس الانتخابات، أن الوعود التي أطلقت خلال السنتين والنصف لم تعرف طريقها للتطبيق، وأن التدرج المطروح يأتي خارج الزمن ولا يجاريه .فبعد أكثر من ثلاثين شهراً يتم تأجيل إصلاح السلطة التشريعية، لمدة أربع سنوات على الأقل، ويصبح مجرد التعهد بوضع مشاريع إصلاح القانون الانتخابي، وقانون للأحزاب يطلق حرية تشكيل الأحزاب على طاولة البحث، أموراً مستأخرة، وتصبح مطالب إطلاق ما تبقى من معتقلين سياسيين وفي مقدمتهم معتقلو الحركة الثقافية الديمقراطية التسعة والمناضل الدكتور عبد العزيز الخير، وإلغاء إعلان حالة الطوارئ، والأحكام العرفية أو قصرها وتجميدها، وكأنها مطالب تعجيزية، وتحتاج إلى مزيد من الوقت الذي يجري إهداره، بتجاهل تام لأهمية الزمن في أي برنامج إصلاحي تدريجي.

     إن إهدار فرصة الإمساك بهذا الاستحقاق الانتخابي / التشريعي لا يتضمن فقط تأجيله أو تجاهل المطالب التي طرحتها الحركة الوطنية الديمقراطية، وإنما يعني أصلاً العزم على منع ولادة نخب سياسية شعبية مؤهلة لقيادة العملية الإصلاحية، وبالتالي الإصرار على إعادة إنتاج النظام السابق، في ظروف خارجية وداخلية لا تقبل ولا تتماشى مع هذا الاستمرار، أو " إعادة الإنتاج " مما سيعقّد في الأزمة التي تعيشها البلاد , ومن الاستحقاقات القادمة، وهي استحقاقات لم يعد من الممكن تجاهلها، ولا إدارتها عبر الطريقة " البراغماتية " المعتادة في السياسة السورية التقليدية .ففي السنوات الماضية، تمكنت هذه السياسة من اللعب في الوقت الضائع، عبر ما سمي بسياسة إمساك العصا من الوسط، إلا أن تلك السياسة أخذت تواجه نهايتها في ظل المتغيرات الدولية وعزم الإدارة الأمريكية على وضع يدها بشكل مباشر على العالم، وعلى المنطقة بشكل خاص، من أجل التحكم باستمرارية بقائها كقطب دولي وحيد، ومنع ولادة أقطاب منافسة في المستقبل.

     إن سورية اليوم مستهدفة من المخطط الأمريكي – الصهيوني كغيرها من الدول العربية، وما يجري في العراق ليس سوى مقدمة لما هو مرسوم للمنطقة كلها، ولا يمكن مواجهة ذلك من خلال سياسة تنازلات محدودة على جبهات الصراع. فتركيبة النظام لا يمكن لها أن تواجه المخططات الأمريكية، وكذلك استحقاقات إدارة الاقتصاد والمجتمع بالسياسة القديمة والنخب القديمة ذاتها. وهو ما يطرح ضرورة سياسة جديدة ونخب جديدة غير تلك التي أفرزتها مراحل الحكم السابقة .

     إعادة استنساخ " مجلس شعب " جديد، وفق آليات المجالس السابقة، وتجاهل مطالب الإصلاح الوطني الديمقراطي، وإعادة تلميع الهياكل السياسية التي تتشكل منها أطر السلطة وهيئاتها لن تدفع حركة المعارضة الوطنية الديمقراطية إلى التراجع إلى مربع الانتظارية، فالدعوة للتغيير الوطني الديمقراطي وللإصلاح الشامل ليست مناطة بالسلطة وحدها ولا هي تتوقف عليها، ولا هي أصلاً جاءت مع " الدعوة الإصلاحية الرسمية " ولكنها نتيجة تطور موضوعي في الوعي الاجتماعي السوري، ومحصلة تراكم النضال الوطني الديمقراطي الذي اختزنته التجربة النضالية السورية خلال العقود الثلاثة الماضية، وفرصة الاستحقاق الانتخابي الراهن على أهميتها ليست نهاية المطاف في الدفع لعملية الإصلاح والتغيير رغم أهميتها، والخسارة الكبرى الناجمة عن إهدارها. بل هي محطة على طريق طويل وشاق، وهو ما يدعو إلى استمرار العمل من أجل إعادة السياسة إلى المجتمع، ودعوة المواطنين للمشاركة في العمل الوطني، وللإمساك بمطالب التغيير الديمقراطي، باعتبارهما المدخل الرئيسي للنهوض بالوطن ومواجهة جميع الاستحقاقات المحيطة به. وهي مطالب لا تتوقف عند إصلاح النظام الانتخابي، ولا إقرار قانون جديد للأحزاب يشرعن التعددية السياسية والحزبية، ولا تتوقف عند إصلاح الدستور لترسيخ وتأكيد قواعد العدالة والمساواة، بين جميع المواطنين، ولا عند إلغاء قانون الطوارئ بما يحمله هذا الإلغاء من إعادة الثقة بين السلطة والمواطنين، بل هي تنطلق أساساً من اعتبار السلطة والسيادة مستمدتين من المواطنين الأحرار المتساوين في الحقوق والواجبات، وأن صندوق اقتراع حر ونزيه هو معيار الفصل في تركيبة السلطة وقيادة المجتمع، وأن الديمقراطية هي ضمان صيانة وحدة الوطن، والوحدة الوطنية، وضمان قوة الوطن في مواجهة مخططات العدو الصهيوني الأمريكي  .                

                  

لجنة سورية في الخارج لإلزام الحكومة السورية بالإقرار بحقوق المنفيين

شكل مجموعة من المعارضين السوريين في الخارج لجنة هدفها العمل على إلزام الحكومة السورية بالإقرار بحقوق المنفيين من خلال اللجوء إلى القضاء . وقالت المجموعة، في بيانها : إنه "رغم إعلان القيادة السورية الحالية عزمها على تطوير أوضاع البلاد وإصلاحها، والقبول بالرأي الآخر، بما يمكن من فتح صفحة جديدة من تصالح الدولة مع المجتمع، فإن هذه الأوضاع ما زالت مطبوعة بالعوارض السابقة نفسها، وملفات الحقوق السياسية والإنسانية ما زالت مفتوحة، لم تجد طريقها إلى الحل حتى اليوم". وأضافت "انعكس هذا على أعداد واسعة من السوريين وعلى عائلاتهم في الخارج بانتهاك أبسط حقوقهم المنصوص عليها في الدستور السوري وفي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وفي العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966، ويتجلى ذلك بحرمانهم حقهم في العودة إلى وطنهم ورفض تجديد جوازات سفرهم، على خلفية مواقفهم الديمقراطية واهتمامهم بالشأن السوري العام".

وأشارت اللجنة إلى أنه "نظراً إلى أن مطالب مختلف الأحزاب والتنظيمات والمجموعات السياسية والثقافية والحقوقية الإنسانية بإنصاف المبعدين لم تلق الاستجابة المأمولة لدى السلطات المعنية، ونظراً إلى أن المواطنة حق طبيعي لكل سوري، وأن الدولة هي تحديداً دولة مواطنين وهي الضامن لحقوقهم أياً يكن انتماؤهم السياسي أو لونهم المذهبي أو أصلهم العرقي، فإن مجموعة من المواطنين السوريين في فرنسا وخارجها تداولوا ضرورة التمسك بحقوقهم والدفاع عنها، انطلاقاً من أن المسئولية تقع على عاتق المواطن مباشرة في العمل من اجل حقوقه اليوم وغداً". وحسب البيان فقد تمت اتصالات مع هيئة من المحامين السوريين والعرب والأجانب "لإقامة دعوى على السلطات السورية أمام المحاكم المختصة في داخل البلاد - وإن لزم الأمر خارجها - بغية الحصول على الحقوق الآتية: الحق في جواز السفر، حق العودة وحرية التنقل من البلاد واليها دونما تهديدات أو مضايقات أو تحقيقات بوليسية، الحق في الجنسية".

وأكد موقعو البيان أن العمل من أجل حقوق المنفيين يفرض نفسه "كمسألة عادلة وكجزء من المعركة الديمقراطية الطويلة الأمد والمتعددة الجانب، والتي تتضمن مطالبتهم العلنية بتعزيز الوحدة الوطنية، وإلغاء حال الطوارئ والمحاكم والقوانين الاستثنائية، واستقلال القضاء وإطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين ووضع البلاد على طريق التغيير الديمقراطي، هذه المعركة التي ساهمت فيها مختلف القوى والفئات الديمقراطية السياسية والثقافية والحقوقية، داخل البلاد وخارجها والمعول عليها استعادة الكرامة والحرية للمواطن".

وأوضحت لجنة حقوق المنفيين أن عمليها سيركز على ثلاث نقاط، هي:

         - إعلام جميع المبعدين والملاحقين والمنفيين الطوعيين بحقوقهم وبضرورة الدفاع عنها.

         - تلقي طلبات التوكيل في القضية وتوجيهها إلى هيئة المحاماة.

         - عقد المؤتمرات الصحفية وإقامة الاتصالات الضرورية لتوضيح سير الدعوى وتطوراتها.

واعتبرت اللجنة عملها "مفتوحاً لكل مساهمة فعالة، حواراً ودعماً وجهوداً، إيماناً منها بأن نهج التضامن بين المواطنين هو الكفيل بالانتصار لحقوقهم المهدورة". وحسب نص البيان، فإن التوقيعات الأولى عليه هي: عبد الحميد الأتاسي، منذر اسبر، غياث الجندي، منير حمزة، أحمد حسو، مأمون خليفة، محمد خير خلف، صالح الرويلي، فاروق سبع الليل، منير الشعراني، عبد الحميد شنن، فارس الشوفي، زكريا الصقال، يوسف عبدلكي، عماد عزوز، عائشة عقيلي، فاروق مردم، فايز ملص، سليم منعم، مرهف ميخائيل، غياث نعيسة وسمر الهامس.

        جمعية دراسات الشرق الأوسط تمنح الدكتور   خبر

          عارف دليلة جائزة الحرية الأكاديمية للعام 2002

Middle East Studies Association      

 (MESA )   

 منحت جمعية دراسات الشرق الأوسط في أمريكا الشمالية جائزة الحرية الأكاديمية للعام 2002 -التي تمنحها  سنوياً- للبروفسور عارف دليلة ، وذلك لدفاعه الشجاع عن الحقوق الديمقراطية الحريات المدنية . وقد ذكرت الجمعية في بيانها ( تشرين الثاني 2002 ) تذكيرا بالدكتور عارف دليلة : 59 عاماً ، دكتوراة بالاقتصاد , أقيل من موقعه كعميد لكلية الاقتصاد في جامعة دمشق عام 1998. في أيلول من العام 2000 كان واحداً من تسعة وتسعين مثقفاً سورياً طالبوا الحكومة السورية في البيان المعروف بيان ال99 بإنهاء قانون الطوارئ وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين وإطلاق حرية الرأي والتعبير.

 وهو عضو في لجان إحياء المجتمع المدني وكان قد اعتقل في أيلول 2001 , وفي أواخر تموز حكمت عليه محكمة أمن الدول بعشر سنوات . وهو الآن في السجن ويعاني من ظروف صحية بالغة الصعوبة ، و يعاني من خثار والتهاب شديد في الظهر زاد سوءاً لوجوده في السجن لمدة أكثر من عام . و قد توجهت الجمعية إلى الحكومة السورية لإطلاق سراحه فوراً ودون شروط .

 

        خبر                                NELF

European – New Left

12 /1/2003 –Paris

أحزاب اليسار الجديد في أوروبا تناشد العالم لمنع الحرب

أصدر المشاركون في منتدى اليسار الأوربي الجديد الذي انعقد في باريس 10و11و12 كانون الثاني 2003 , بياناً بعنوان " مناشدة /  Appeal"، عبروا فيه عن قلقهم الشديد بخصوص الحرب على العراق والتي يتم السعي إليها بقوة من قبل صوت وحيد في العالم ، وأكّد المشاركون  رفضهم الكلي للمغامرة العسكرية الخطرة وغير الشرعية بقيادة الرئيس بوش ، والتي يتم تكثيف التحضيرات العسكرية والسياسية لها ، في الوقت الذي ما زالت فرق التفتيش التابعة للأمم المتحدة تقوم بعملها . كذلك عبر المشاركون عن خوفهم من سياسات حكومة شارون ضد السلطة الفلسطينية والشعب الفلسطيني ، والتي قد تهدد الاستقرار السياسي في المنطقة . وجاء في البيان  أيضاً أن المشاركين ـ بوصفهم قوى سياسية يسارية ـ لا يمكن أن يقبلوا أن تسمح قوة وحيدة لنفسها بما أوتيت من قدرات عسكرية وسياسية واقتصادية أن تقرّر السلم والحرب في العالم ، وأنهم كعدد من الأحزاب اليسارية الأوربية يناشدون الحكومات الأوربية لخلق الظروف المناسبة بجميع المستويات لمنع الولايات المتحدة من القيام بحربها ضد العراق والسعي لإيجاد الحلول من خلال الحوار السياسي والقانون الدولي.


KPOE (Austria)

AKEL (Cyprus)

Socialist people s party (Denmark)

Estonian social democratic labour party (Estonia)

Left alliance (Finland)

French communist party (France)

PDS (Germany)

Coalition of left and progress (Greece)

Communist refoundation (Italy)

Party of Italian communists (Italy)

Socialist party (Netherlands)

Socialist left party (Norway)

Portuguese communist party (Portugal)

United left (Spain)

Initiative greens –Catalunya –(Spain)

Left party (Sweden)

Swiss labour party (Switzerland)

ODP –Freedom and socialist party (Turkey)


 

رسالة من قارئ  

 

المجرّدون مدنياً في سورية

وضرورة إنهاء مأساتهم

 

 

    المجردون مدنياً في سورية جرح نازف مفتوح على الوطن، وهو جزء من ملف أشمل يضم السجناء السياسيين، محكومين أم غير محكومين، والمبعدين عن الوطن لأسباب سياسية والمطاردين في الفترة السابقة. ولكنني اخترت أن أثير هنا موضوع المجردين من الحقوق المدنية لما في وضعهم من خصوصية، ولأنني أتصور إمكان حلّ مشاكل البلاد بالتدريج، ولقناعتي أن من كبر الحجر لن يضرب.

    يهمني هنا وضع هؤلاء من الناحية الإنسانية، وتحديداً معاناتهم مع رغيف الخبز، وما سببه لهم ذلك الحكم الظالم في هذا المجال. فالحكم يحرمهم من العمل في دوائر الدولة، ويمنع من كان موظفاً منهم من العودة إلى وظيفته وأخذ تعويضاته عن فترة السجن، في حين عاد إلى وظيفته رفاقهم الذين لم يجردوا مدنياً. بيت القصيد هنا. إذ أن جلّ من صدرت بحقهم الأحكام موظفون في حين سقطت الدعوى بالتقادم عن غالبية من هم ليسوا موظفين. لكأن محكمة أمن الدولة تميز بين موظف وغير موظف. وبالتالي فهي ليست قراقوشية أو اعتباطية كما يظن البعض. هل تبنى الأوطان على الحقد ؟! إن مجموع تعويضات المجردين مدنياً لا يعادل نهب موظف من الدرجة الثانية للدولة خلال سنة.

    أنا مهتم بهذا الموضوع داخل محافظتي اللاذقية. وعندي قائمة تتجاوز التسعين مجرداً من أربع قوى : لجان الدفاع عن حقوق الإنسان في سورية، حزب البعث الديمقراطي، الحزب الشيوعي السوري- المكتب السياسي، حزب العمل الشيوعي. يقف الحكم عقبة حقيقية في سبيل عودتهم للاندماج في المجتمع. غالبية هؤلاء موظفون، مدرسون، ومعلمون. وبعضهم أمضى في سلك التعليم أكثر من خمسة عشر عاماً ولم يتمكن حتى من استرداد تأميناته الاجتماعية. ووضعهم المعاشي سيء على كافة المستويات. فعلى سبيل المثال لا الحصر, كاتب هذه السطور يحمل إجازة في العلوم الطبيعية منذ عام 1970 ودبلوم تربية وكان مدرساً في أحدى دور لمعلمين حتى عام 1977 , فترة مطاردته من قبل الأمن , ومن ثم اعتقاله عام 1981 . عمل بعد خروجه من السجن في عام 1994 حارساً ومن ثم " مياوماً " في فرن , وعامل بوفيه.  وهذا الصيف وبعد ألف وساطة تمكن من إيجاد عمل في محل حلويات , عامل تنظيفات  ,جلي طناجر , بأجر مقداره أربعة آلاف ليرة سورية. وبعد ثلاثة أشهر صرفه صاحب العمل لأن مصلحته تقتضي ذلك. فبإمكانه إيجاد بديل أكثر همة ونشاطاً وفتوة منه وبأجر ثلاثة آلاف ليرة سورية. وبصراحة أقول أن وضعي ليس الأسوأ بين المجردين فعلى الأقل أنا لا أدفع أجرة شهرية للسكن لأنني أمتلك بيتاً في المدينة.

    لقد استبشرنا نحن المجردين مدنياً خيراً بعد تسلم الدكتور بشار الأسد سدة الرئاسة وما تلا ذلك من اعتراف بالرأي الآخر كما جاء في خطاب القسم. وقلنا لا شك سيصدر عفو رئاسي يشمل المجردين فالرئاسة بحكم الدستور هي المركز الوحيد القادر على إلغاء حكم محاكم أمن الدولة الاستثنائية. وبالتالي سنعود مواطنين أسوياء في الوطن. ولكن حكم العشرة الأفاضل فيما بعد أصابنا بالإحباط التام.

    بدلاً من إرسال هذه المحاكم إلى متاحف التاريخ يُنفض الغبار عنها وتحكم عشرة جدد كباراً في السن وتجردهم مدنياً وتحيلهم مثلنا، إلى أشخاص منتقصي الحقوق. وفي كل محاكم الأرض تعتبر عقوبة السجن معادلة للجرم إلا عندنا فهي تلاحقه حتى بعد أن سلخت من عمره أجمل سني حياته خلف القضبان. محاكم استثنائية كتلك  ,العقوبة عندها ليست للإصلاح بل للانتقام.

    إنني أتوجه هنا عبر صحيفتكم إلى التجمع الوطني الديمقراطي بكافة أحزابه وهيئاته من أجل فتح هذا الملف للإعلام الداخلي والخارجي والضغط على الدولة ما أمكن، بدون الالتفات للأصوات الأمينة للماضي التي تتهم كل من يطالب بحقوقه بأنه يضعف البلاد بوجه العدو الخارجي... لأن الحقيقة عكس ذلك. لقد حان الوقت للتفكير بتقوية سورية ضد عدوها الخارجي عبر المصالحة مع مواطنها وليس بقمعه وإذلاله بحجة العدو الخارجي.

    وبموازاة ذلك، على التجمع أن يعمل من أجل مساعدة هؤلاء بدراسة أوضاعهم الفردية في كل محافظة والطلب إلى أصدقائه ومناصريه بتقديم المساعدة في إيجاد فرص عمل لهم. إن عملاً كهذا لو تمّ سيكون مؤشراً على جدية التجمع في التعاطي مع مشاكل الوطن بروح جديدة تتلاءم مع معطيات العصر. وبالتأكيد لا يكلف الله نفساً إلا وسعها. ولكن حقاً يصدق القول في هذا المجال :

خطوة عملية خير من دزينة برامج .

 

 

             تتمة من الصحافة :

 

والبيئة , والرفض للمعاهدات الدولية الملغاة من جانب واحد.
كان يتوجب على إدارة بوش أن تخبرنا لماذا تدعم إسرائيل في تجاهلها المستمر لقرارات الأمم المتحدة. ولكن بن لادن سحب البساط بارتياح من تحت كل ذلك. والبوشيون أطلقوا لأنفسهم العنان. الآن، تم إخبارنا أن 88% من الاميركيين يريدون الحرب. وارتفعت ميزانية الدفاع الاميركية بمزيد من 60 بليون دولار لتصل إلى حوالي 360 بليون دولار. وجيل جديد مخيف من الأسلحة النووية يندفع مستخرجا إلى الأمام، من أجل أن نتنفس الصعداء من جديد وبسهولة! أي حرب يعتقد 88% من الاميركيين أنهم يدعمونها؟ ما زال هذا السؤال سؤالا أقل وضوحا؟ حرب إلى متى؟ من فضلكم؟ ما كلفة الأرواح الاميركية؟ وما كلفة الحرب على جيوب دافعي الضرائب من الاميركيين؟
الخدعة التاريخية

الكيفية التي استطاع بها بوش وجماعته النجاح في تغيير الغضب الاميركي على بن لادن إلى غضب على صدام حسين، هي واحدة من أعظم خدع التاريخ للرأي العام الاميركي وللإدارة العامة في البلاد. ولكنهم تعلقوا بها. إحصاء جرى مؤخرا يخبرنا بأن واحدا من كل أميركيين اثنين يعتقد أن صدام حسين كان مسؤولا عن الهجوم على مركز التجارة الدولي؟ ولكن الجمهور الاميركي ليس كله مضلَّلا. لقد ضربوا على رأسه وأبقوه في حالة من الجهل والخوف. هذا العصاب أو الاضطراب العصبي الذي تقاد اوركستراه بعناية ينبغي أن يحمل بوش ورفاقه المتآمرين بشكل جميل إلى الانتخابات التالية. وأولئك الذين ليسوا مع السيد بوش هم ضده. وأسوأ من ذلك، أنهم مع الأعداء. وهو أمر عجيب، لأنني أنا مثلا، ضد بوش حتى الموت، ولكنني أحب أن أرى سقوط صدام، ليس بوسائل بوش ولا بطرقه، وليس تحت راية مثل هذه الهرطقة الفظيعة والمشينة.
 النفاق الديني

النفاق الديني والتظاهر بالتقوى الذي سيرسل الفرق العسكرية الاميركية إلى المعركة هما ربما الجانب الأكثر مرضا في هذه الحرب السوريالية المتوقعة. يمسك بوش بقفل مفتاح الله اليدوي. والله عنده آراء سياسية خاصة جدا. الله اختار أميركا لتنقذ العالم فيما يناسب أميركا. والله اختار إسرائيل لتصير العقدة الرابطة لسياسة أميركا الشرق أوسطية! وكل واحد يعترض على هذه الفكرة هو: أ) معاد للسامية. ب) معاد لأميركا. ج) مع العدو. د) إرهابي. والله عنده اتصالات وشبكة علاقات جميلة وحذرة. في أميركا، حيث كل الناس متساوون بنظر الله، تُعين عائلة بوش رئيس البلاد، ورئيسا سابقا، ورئيسا سابقا لل CIA، وحاكما لفلوريدا وحاكما سابقا لولاية تكساس!
هل تريدون مزيدا من المعلومات الإلهية؟

 جورج دبليو بوش (1987 1984)، المسؤول الأعلى التنفيذي لشركة آربستو للطاقة/ أبحاث بوش، شركة نفطية. ومن عام 1986 إلى 1990 المسؤول الأعلى التنفيذي لشركة هاركن النفطية!
ديك تشيني: 1995 - 2000 الرئيس التنفيذي لشركة هاليبورتون النفطية!
غوندوليسا رايس: 1991 - 2000 المسؤولة العليا التنفيذية مع شركة شيفرون النفطية! ولكن لا شيء من هذه المواصفات " التافهة "  يؤثر طبعا على سيادة عمل الله!
عام 1993، عندما كان الرئيس السابق بوش يزور مملكة الكويت " الدائمة الديموقراطية "  ليتلقى تحيات الشكر لتحريره لها، حاول أحدهم أن يقتل بوش. وتعتقد ال
CIA أن أحدهم كان صدام. وبالتالي كانت صيحة بوش الابن: " صدام حاول أن يقتل دادي! " ولكن، ما زالت هذه الحرب " بلا دوافع شخصية "! إنها ما زالت من عمل الله! إنها ما زالت من أجل إحضار الحرية والديموقراطية على طبق أميركي للشعب العراقي المقموع! ومن أجل أن تكون عضوا في فريق عمل بوش عليك أن تؤمن بالله المطلق الصلاحيات، وبالشر المطلق، وببوش، وبمزيد من الدعم من أصدقاء بوش وعائلة بوش، والله هناك يقف إلى جانب بوش ليخبرنا من هو لمن؟
بوش و النفط

ما لا يخبرنا به بوش هو عن السبب الحقيقي الذي يدفعه إلى الذهاب إلى الحرب. ما هو على الطاولة ليس محور الشر ولكن النفط، المال وحياة الناس. سوء حظ صدام انه يجلس فوق ثاني أكبر حقل للنفط في العالم. وبوش يريد ذلك الحقل أو كل من يساعده للحصول على ذلك الحقل سيتلقى قطعة من الكعكة، ومن لا يساعده لن يأخذ شيئا! لو لم يكن صدام مالكا للنفط، لكان بإمكانه أن ينكل بمواطنيه ملء قلبه! قادة آخرون يفعلون ذلك كل يوم: فكروا بالمملكة العربية السعودية، فكروا بباكستان، فكروا بتركيا، فكروا بسوريا، وفكروا بمصر...العراق حاجة اقتصادية لأميركا
لا تمثل بغداد خطرا واضحا أو داهما على جيرانها ولا على الولايات المتحدة أو على بريطانيا. وأسلحة صدام للدمار الشامل، إذا ما زال حاصلا عليها، ستكون حبات فستق بالمقارنة مع الكميات التدميرية الهائلة التي ستهيلها إسرائيل وأميركا عليه في مدة خمس دقائق من التأهب القتالي. ما هو على الطاولة ليس التهديد الكامن عسكريا أو إرهابيا، ولكن الحاجة الاقتصادية الضرورية لنمو الولايات المتحدة. ما هو على الطاولة هو حاجة أميركا لأن تنشر قوتها العسكرية عندنا جميعا: أوروبا وروسيا والصين وكوريا الشمالية المسكينة والعاجزة، إضافة إلى الشرق الأوسط، من أجل تبيان من يحكم أميركا في عقر دارها، ومن الذي ينبغي أن يخضع لحكم أميركا خلف البحار.
بلير و النمر الأميركي

التفسير الذي ينصف دور طوني بلير في كل هذه المعمعة، هو أنه اعتقد أنه من خلال ركوبه على صهوة النمر الاميركي، بإمكانه أن يتحكم بناصيته، ولكنه لا يستطيع! بدلا من ذلك، أعطى بلير للنمر الاميركي مصداقية لفظية، وصوتا ناعما. الآن، أنا أخاف، أن يكون النمر قد حشر بلير في الزاوية، وأصبح بلير عاجزا عن الحركة. ومن المضحك حقا، انه أثناء قيام بلير بشد نفسه بالحبال، لم يستطع أحد من قادة المعارضة أن يطلبه للمبارزة. وتلك مأساة بريطانيا كما هي مأساة أميركا: وأثناء ما تقوم به حكوماتنا من ألاعيب وأكاذيب تُفقدها مصداقيتها، فان جمهور الناخبين يهز كتفيه استهجانا أو بلا مبالاة وببساطة وينظر نحو الاتجاه الآخر. أفضل فرصة لبلير لبقائه الشخصي يجب أن تكون، عند الساعة الحادية عشرة، قبل ساعة من اندلاع الجحيم، وأثناء الاحتجاج العالمي وبقاء الأمم المتحدة جريئة ومتصدية، وهو أمر بعيد الاحتمال، هي أن يعمد بلير إلى إرغام بوش على أن يعيد مسدسه إلى خصره. ولكن ماذا سيحدث عندما سيرجع كاوبوي العالم الأعظم إلى المدينة من

غير رأس الطاغية يلوّح به للأولاد؟
الفرصة الأسوأ لبلير هي ما يلي: مع أو ضد الأمم المتحدة، سيدفعنا بلير إلى الحرب التي كان يمكن تجنبها إذا ما توفرت الإرادة للتفاوض بفعالية. وهي حرب لم يعد يجري الإعداد لها ديموقراطيا لا في بريطانيا ولا في أميركا ولا في الأمم المتحدة. وبفعله هذا، سيقوم بلير بترجيع علاقاتنا مع أوروبا ومع الشرق الأوسط إلى الوراء لعدة عقود آتية، وسوف يساعد على تأجيج توترات غير متوقعة، وإثارة شغب كبير في بريطانيا، وفوضى إقليمية في الشرق الأوسط. فأهلا وسهلا إلى حفلة السياسة الخارجية الأخلاقية الصاخبة! وهناك حل معتدل ولكنه عسير المضغ: يغطس بوش إلى أعماق الحرب من غير موافقة الأمم المتحدة ويبقى بلير مشاهدا عند الضفاف، وعندئذ، الوداع

للعلاقات الخاصة بين بريطانيا وأميركا.
أنكمش خوفا عندما أسمع رئيس وزراء بريطانيا يسلم رأسه للسفسطات الكاملة لهذه المغامرة الكولونيالية، فمخاوفه الحقة من الإرهاب يشاركه بها كل الناس. ولكن ما يعجز بلير عن تفسيره هو كيف يسترضي حملة عالمية على القاعدة بحملة إرهابية على العراق؟ نحن في هذه الحرب، إذا وقعت، نحمي ورقة التين التي تغطي علاقاتنا الخاصة بأميركا، من أجل أن نتلقف حصتنا من وعاء

البترول!
فقط إذا سمح بوش بذلك!
" ولكن، هل سنربح الحرب دادي؟ ".
" طبعا يا ابني. سننتهي من الحرب وأنت ما زلت في سريرك! "
" لماذا ؟ " .
" لأنه لو لم يحدث ذلك، لفقد مؤيدو بوش صبرهم، و لقرروا أن لا يصوتوا له " .
" ولكن، هل سيُقتل الناس، دادي ؟ " .
" لا أحد ممن تعرفهم يا عزيزي. فقط أناس غرباء ! " .
" هل يمكنني أن أراقب ذلك على التفزيون ؟ " .
" فقط إذا سمح السيد بوش بذلك ! " .
" وبعد ذلك، هل سيصير كل شيء طبيعيا من جديد ؟ ولا أحد سيرتكب فعلا مرعبا من جديد ؟ " .
" هس يا بني، واذهب إلى النوم ! " .

نهار الجمعة الماضي قاد صديق لي في كاليفورنيا سيارته إلى سوبرماركت قريب . كان يعلق شارة على سيارته تقول: " محبة السلام أيضا من الوطنية " . وعندما انتهى من التسوق وعاد إلى سيارته وجد الشارة مفقودة...

 من الصحافة

الولايات المتحدة وصلت إلى حد الجنون
الله اختار أميركا لتنقذ العالم فيما يناسب أميركا!

              جون لوكاريه                   ترجمة: صفوان حيدر

                                عن جريدة " التايمز" البريطانية 15/ 1 /2003

                                     ( السفير 25/1/2003 )

 

دخلت الولايات المتحدة الاميركية إحدى فتراتها المحفوفة بالجنون التاريخي، ولكن ذلك هو أسوأ ما أستطيع تذكره: أسوأ من المكارثية، وأسوأ من أزمة خليج الخنازير، وعلى المدى البعيد أكثر فداحة

من حرب فيتنام.
رد الفعل على الحادي عشر من أيلول يتعدى أي شيء كان أسامة بن لادن قد توقعه في أحلامه الدنيئة. وكما في أيام المكارثية، فان الحرية التي جعلت الولايات المتحدة محسودة من العالم، قد جرى انتهاشها بانتظام.
والتفاعل القائم بين وسائل الإعلام الاميركية المتعاونة والمصالح التعاونية المملوكة، أصبح هذه المرة أكثر متانة، حتى أن نقاشا يجب أن يقرع جرس إنذاره في أي ساحة مدينة، مرتبط بالأعمدة الأكثر علوا لصحافة الساحل الشرقي للولايات المتحدة الاميركية .
دور بن لادن
هذه الحرب الكامنة المتوثبة كان يخطط لها قبل سنوات من ضربة بن لادن. ولكن، انه بن لادن الذي جعلها الآن ممكنة. من غير بن لادن كان ما يزال متوجبا على جماعة بوش أن تشرح مثل هذه الأمور الخداعة، والتي منها الكيفية التي توصلت بها هذه الجماعة لان تُنتخب، وفي المقام الأول :
شركة انرون، وتفضيلها المخجل لحقيقة " طالما نحن أغنياء جدا " ، تجاهلها المخرب لفقراء العالم ,

 

...... البقية ص 28 ......